القدوة قبل الكلمات.. كيف يتعلم الأطفال الأخلاق من تصرفات الكبار

لا يمكن غرس الأخلاق في نفوس الأطفال بالكلمات وحدها لأن الطفل يتعلم بعينيه قبل أذنيه ويقلد ما يراه أكثر مما ينفذ ما يسمعه ولذلك تصبح القدوة الصالحة هي الأساس الحقيقي في بناء الشخصية وصناعة السلوك فكل تصرف يصدر من الأب أو الأم أو المعلم يترك أثرا عميقا في نفس الطفل وقد يبقى معه طوال حياته و الطفل يولد وهو لا يعرف معنى الصدق أو الأمانة أو الاحترام ولكنه يكتسب هذه القيم من البيئة التي يعيش فيها ومن الأشخاص الذين يراهم كل يوم فإذا شاهد والديه يتحليان بالصدق تعلم أن الصدق هو الطريق الصحيح وإذا رآهما يحترمان الآخرين نشأ وهو يقدر الناس ويحسن التعامل معهم أما إذا وجد تناقضا بين الكلام والفعل فسوف يقتنع بالفعل لأنه أكثر تأثيرا من أي نصيحة.

الأسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل معاني الحياة وهي المكان الذي تتكون فيه عاداته الأولى ولذلك فإن كل كلمة وكل تصرف داخل المنزل يسهم في تشكيل شخصيته فالطفل الذي يرى التعاون بين أفراد أسرته يكبر وهو يؤمن بقيمة المشاركة والذي يرى الرحمة في التعامل يصبح أكثر إنسانية والذي يشاهد احترام الكبير والعطف على الصغير يحمل هذه الأخلاق معه في كل مراحل عمره ولا تقتصر القدوة على الوالدين فقط بل تمتد إلى المعلم الذي يلتزم بالأمانة في عمله وإلى المسؤول الذي يحترم القانون وإلى كل شخص يتعامل معه الطفل في حياته اليومية فكل هؤلاء يشاركون بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في بناء منظومة القيم التي يحملها الطفل داخله.

ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الكبار أنهم يطالبون أبناءهم بالصدق ثم يكذبون أمامهم أو يطلبون منهم الالتزام بالنظام بينما هم لا يحترمون القوانين أو يطالبونهم باحترام الآخرين ثم يستخدمون ألفاظا قاسية في تعاملهم مع الناس وهنا يفقد الكلام قيمته لأن الطفل يصدق الأفعال ولا يصدق الشعارات و أن اعتراف الأب أو الأم بالخطأ والاعتذار عند التقصير يعلم الطفل قيمة التواضع وتحمل المسؤولية ويؤكد له أن الأخلاق ليست في ادعاء الكمال وإنما في الشجاعة والصدق مع النفس والقدرة على تصحيح الأخطاء.

وفي زمن أصبحت فيه الشاشات جزءا من حياة الأطفال ازدادت أهمية وجود القدوة الحسنة داخل الأسرة لأن الطفل يتعرض يوميا إلى نماذج كثيرة بعضها إيجابي وبعضها سلبي ويبقى دور الأسرة هو ترسيخ القيم الصحيحة من خلال السلوك اليومي الذي يراه الأبناء في كل لحظة وإن تربية الأجيال لا تحتاج إلى كثرة المواعظ بقدر ما تحتاج إلى أفعال صادقة تعبر عن المبادئ التي نؤمن بها فالابتسامة واحترام الآخرين والوفاء بالوعد والأمانة في العمل والرحمة في التعامل كلها رسائل عملية يتعلمها الطفل دون أن يسمع عنها درسا واحدا وتبقى الحقيقة الثابتة أن الأطفال لا يصبحون نسخة من الكلمات التي نرددها أمامهم بل يصبحون صورة للسلوك الذي يعيشونه كل يوم ولذلك فإن أفضل هدية يقدمها الكبار لأبنائهم هي أن يكونوا قدوة صالحة لأن القدوة هي اللغة التي يفهمها كل طفل وهي الطريق الأقصر لبناء جيل يحمل الأخلاق والقيم في قلبه وسلوكه.

شارك هذا المنشور