أرجوك افهمني.. قراءة في أسرار أنماط الشخصية

تمهيد:

كان يظن أنه أوضح ما يريد، بينما كان الطرف الآخر يخرج من الحديث بفهم مختلف تمامًا،  لم يكن بينهما كذب أو سوء نية، لكن الكلمات حملت معنيين، والتوقعات سبقت التفسير، فكبرت المسافة بينهما دون أن يشعر أيٌّ منهما. مشهد يتكرر في العلاقات الأسرية، والصداقات، وبيئات العمل، حتى يبدو وكأن أصعب ما يواجه الإنسان ليس التعبير عن أفكاره، بل أن يفهمه الآخر كما قصد.

ما يتناوله الكتاب:

ومن هنا تبدأ رحلة هذا الكتاب،  من سؤال بسيط في ظاهره وعميق في جوهره: لماذا يختلف الناس في فهم الموقف نفسه؟، وكيف تتحول طريقة إدراكنا للآخرين إلى سبب للتقارب أحيانًا، وللخلاف أحيانًا أخرى؟

في هذه القراءة لا نكتفي باستعراض أفكار المؤلف، بل نحاول إعادة تقديمها في سياقها الإنساني، وربطها بما نعيشه كل يوم، لأن فهم الإنسان للإنسان يظل واحدًا من أكثر التحديات تأثيرًا في العلاقات، وأحد المفاتيح الأساسية لفهم السلوك البشري.

يحاول ديفيد كيرسي ومارلين بيتس الاقتراب من تلك منطقة الغامضة دون أن يقدما وصفة سحرية أو أحكامًا نهائية بل يضعان أمام القارئ عدسة مختلفة يرى بها نفسه قبل أن يرى الآخرين لأن أغلب الناس يقضون حياتهم وهم يحاولون تغيير من حولهم بينما ينسون أن نقطة البداية الحقيقية تكمن في فهم الطريقة التي يفكرون بها هم أولًا.

اختلاف البشر ليس مشكلة تحتاج إلى حل بقدر ما هو حقيقة تحتاج إلى إدراك لأن كل إنسان يولد بمجموعة من الميول التي تجعله يفسر العالم بطريقة تختلف عن غيره شخص يشعر بالأمان عندما تسير حياته وفق نظام واضح وخطة دقيقة بينما يشعر شخص آخر أن القواعد الكثيرة تخنقه وتمنعه من الإبداع شخص لا يقتنع إلا بالأرقام والحقائق وآخر يرى أن المشاعر أحيانًا أكثر صدقًا من أي دليل وكل واحد منهما يظن أن الآخر يبالغ أو يعقد الأمور بينما الحقيقة أن كليهما ينظر إلى المشهد نفسه من زاوية مختلفة.

أخطر ما يفعله الإنسان أنه يقيس الجميع بنفس المقياس فيغضب من زميله لأنه لا يتخذ القرار بالسرعة التي يتخذها هو ويشعر بالإحباط من شريك حياته لأنه لا يعبر عن الحب بالطريقة التي ينتظرها ويتهم أبناءه بعدم المسؤولية لأنهم لا يفكرون كما كان يفكر في عمرهم وهكذا تتحول الاختلافات الطبيعية إلى مشكلات كبيرة فقط لأننا اعتقدنا أن طريقتنا هي الطريقة الوحيدة الصحيحة.

الحياة اليومية مليئة بأمثلة تكشف حجم تلك الفجوة مدير يطلب تقريرًا مختصرًا فيعود إليه الموظف بعشرات الصفحات لأنه يرى أن التفاصيل دليل على الإتقان بينما كان المدير يبحث عن الخلاصة فقط زوجة تنتظر كلمات رومانسية بينما يعتقد الزوج أن عمله لساعات طويلة وتوفيره احتياجات الأسرة هو أصدق تعبير عن الحب صديق يكثر من تقديم النصائح معتقدًا أنه يقدم المساعدة بينما يشعر الطرف الآخر أنه يتعرض للنقد المستمر رغم أن النية كانت طيبة منذ البداية.

فكرة تصنيف الشخصيات لا تهدف إلى وضع الإنسان داخل صندوق مغلق ولا تمنحه عذرًا لكل تصرفاته لكنها تساعده على فهم الدوافع التي تقف خلف السلوك لأن التصرف الواحد قد يحمل معنيين مختلفين تمامًا حسب الشخص الذي يقوم به الصمت عند أحدهم يعني التفكير بينما يعني الغضب عند شخص آخر والسرعة في اتخاذ القرار قد تكون ثقة عند إنسان واندفاعًا عند غيره لذلك يصبح الحكم على الناس من خلال الأفعال وحدها واحدًا من أكثر الأخطاء شيوعًا.

يعرض المؤلفان أربعة أنماط رئيسية للمزاج الإنساني لا باعتبارها قوانين ثابتة وإنما باعتبارها خريطة تقريبية تساعد القارئ على اكتشاف الفروق الفردية الحرفيون يعيشون اللحظة ويحبون التجربة ويكرهون القيود والحماة يبحثون عن النظام والاستقرار ويشعرون بالمسؤولية تجاه من حولهم والعقلانيون يقودهم المنطق ويستمتعون بحل المشكلات أما المثاليون فيضعون العلاقات الإنسانية والمعنى في مقدمة أولوياتهم ولكل نمط نقاط قوة قد تتحول إلى نقاط ضعف إذا خرجت عن الاعتدال.

جمال الفكرة لا يكمن في معرفة النمط الذي تنتمي إليه فقط وإنما في إدراك أن الشخص الذي يختلف معك ليس بالضرورة مخطئًا قد يكون فقط يرى ما لا تراه ويمنح أهمية لما تعتبره أنت أمرًا ثانويًا لذلك تصبح المرونة الفكرية أهم كثيرًا من محاولة الانتصار في كل نقاش لأن الهدف الحقيقي من الحوار ليس إثبات من الأذكى وإنما الوصول إلى مساحة يفهم فيها كل طرف الآخر بصورة أفضل.

استيعاب تلك الفروق لا يغير العلاقات فقط بل يغير طريقة الإنسان في النظر إلى نفسه أيضًا لأن كثيرًا من الناس عاشوا سنوات طويلة وهم يعتقدون أن لديهم عيوبًا بينما كانت تلك الصفات مجرد اختلاف في طريقة التفكير شخص يتعب من الاجتماعات الطويلة لأنه يفضل الإنجاز العملي لا يعني أنه غير اجتماعي وشخص يقضي ساعات في تحليل كل قرار لا يعني أنه متردد بطبيعته وإنما يحتاج إلى رؤية الصورة كاملة قبل أن يتحرك لذلك يصبح التصالح مع الذات بداية ضرورية قبل محاولة فهم الآخرين.

أماكن العمل تقدم الدليل الأكبر على قيمة هذا الفهم لأن الفريق الذي يضم شخصيات متشابهة قد يتحرك بسرعة لكنه غالبًا يفقد القدرة على رؤية الزوايا المختلفة بينما الفريق الذي يجمع أنماطًا متعددة يستطيع اكتشاف أخطاء لا يلاحظها الآخرون وصناعة أفكار أكثر نضجًا بشرط أن يتحول الاختلاف إلى تعاون لا إلى صراع لأن المشكلة ليست في تنوع الشخصيات وإنما في اعتقاد كل شخصية أنها الوحيدة التي تمتلك الإجابة الصحيحة.

تربية الأبناء تتغير أيضًا عندما يدرك الآباء أن أبناءهم ليسوا نسخًا منهم طفل يعشق الحركة والاكتشاف لا يمكن معاملته بالطريقة نفسها التي تناسب طفلًا يحب الهدوء والقراءة وطفل يحتاج إلى التشجيع المستمر يختلف عن آخر تدفعه المنافسة وحدها لذلك يصبح النجاح في التربية مرتبطًا بقدرة الأب والأم على اكتشاف طبيعة أبنائهم لا بمحاولة تشكيلهم وفق صورة مسبقة رسموها داخل عقولهم.

العلاقات العاطفية تخسر الكثير عندما يحاول كل طرف ترجمة مشاعر الآخر بلغته الخاصة لأن التعبير عن الحب لا يقتصر على الكلمات وحدها ولا على الهدايا ولا على قضاء الوقت معًا فقد يرى أحدهم أن التضحية أكبر دليل على الحب بينما يراه الآخر واجبًا طبيعيًا وينتظر كلمة صادقة تمنحه الشعور بالأمان وكلما اتسعت مساحة الفهم قلت مساحة اللوم وسوء الظن.

ينتقد المؤلفان فكرة استخدام اختبارات الشخصية باعتبارها أحكامًا نهائية لأن الإنسان أكثر تعقيدًا من أن تختصره نتيجة اختبار أو بضعة حروف فالتجارب والتربية والثقافة والظروف تترك بصمتها على كل شخص وتجعل كل حالة فريدة حتى لو تشابهت مع غيرها في بعض الصفات لذلك يجب أن تبقى التصنيفات وسيلة للفهم لا وسيلة للحكم.

رحلة اكتشاف النفس لا تنتهي عند معرفة النمط الذي تنتمي إليه بل تبدأ من تلك اللحظة لأن المعرفة الحقيقية تفرض مسؤولية أكبر وتدفع الإنسان إلى استثمار نقاط قوته ومعالجة جوانب ضعفه بدلًا من استخدامها كتبرير دائم لكل خطأ فالإنسان قادر على التطور متى امتلك الشجاعة التي تجعله يرى نفسه كما هي لا كما يحب أن يراها.

أكبر درس تتركه هذه الرحلة أن الاختلاف ليس تهديدًا بل فرصة وأن الناس لا يحتاجون إلى أن يصبحوا متشابهين حتى يعيشوا معًا وإنما يحتاجون إلى أن يتوقفوا عن مطالبة الآخرين بأن يفكروا بالطريقة نفسها لأن الحياة تصبح أكثر اتساعًا عندما ندرك أن الحقيقة لا تسكن عقل شخص واحد وأن كل إنسان يحمل قطعة من الصورة لا تكتمل إلا إذا اجتمعت مع قطع الآخرين وحين يحدث ذلك يتحول الفهم من مهارة نتعلمها إلى أسلوب حياة يجعل العلاقات أكثر هدوءًا والعمل أكثر نجاحًا والإنسان أكثر قدرة على رؤية العالم بعينين لا بعين واحدة.

حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية

العنوان: أرجوك افهمني الشخصية وأنماط المزاج

المؤلف ديفيد كيرسي مارلين بيتس

دار النشر Prometheus Nemesis Book Company

بلد النشر الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة الأولى

سنة النشر 1978

عدد الصفحات 210 صفحة

ISBN 9780960695407

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *