لا تبدأ حكاية المخدرات بسيجارة أو قرص أو حقنة، وإنما تبدأ بفكرة خاطئة فكرة أن التجربة لن تتكرر، وأن الأمر تحت السيطرة، وأن الإنسان يستطيع التوقف متى شاء لكن الواقع يقول إن كثيرًا من المآسي التي انتهت إلى الإدمان بدأت بهذه القناعة نفسها، ثم انتهت بفقدان السيطرة على الحياة كلها.
التعريف العلمي للمخدرات يقول إنها مواد نباتية أو مشتقة منها أو مركبات مصنعة كيميائيًا تؤثر في الجهاز العصبي المركزي، لكن هذا التعريف، رغم دقته، لا يكفي لفهم حجم القضية فالمخدرات لم تعد مجرد مشكلة صحية، بل أصبحت قضية تمس الأمن والاستقرار والتنمية، لأنها تستهدف العنصر الأهم في أي وطن، وهو الإنسان.
والأخطر أن سوق المخدرات يتطور بوتيرة أسرع من وسائل المواجهة فكلما نجحت أجهزة الدولة في تضييق الخناق على نوع، ظهر نوع آخر أكثر خطورة وأشد فتكًا ولم تعد السموم التقليدية وحدها هي التهديد، بل برزت المخدرات الصناعية التي تُصنع داخل معامل سرية، وتُروج بأسماء مختلفة، بينما تبقى النتيجة واحدة، وهي تدمير العقل قبل الجسد.
المشهد لم يعد يقتصر على مدمن يخسر صحته، وإنما يمتد إلى أسرة تتفكك، وأبناء يفقدون الاستقرار، وفرص عمل تضيع، وجرائم يرتفع معدلها، واقتصاد يتحمل تكلفة علاج وتأهيل كان يمكن تجنبها لو انتصر الوعي منذ البداية لذلك فإن خسائر المخدرات لا تُقاس بعدد المتعاطين فقط، وإنما بحجم ما تتركه من آثار تمتد إلى المجتمع بأكمله.
ورغم الجهود الأمنية التي تحقق نجاحات متواصلة في ضبط تجار السموم وإحباط محاولات التهريب، فإن هذه المواجهة تظل ناقصة إذا لم يصاحبها بناء حقيقي للوعي فالتاجر يبحث دائمًا عن ضحية جديدة، لكن المجتمع الواعي يضيق عليه الطريق قبل أن يبدأ.
ولعل ما يدعو إلى القلق أن بعض الشباب لا يسقطون بسبب الرغبة في التعاطي، وإنما بسبب الفراغ، أو رفقة السوء، أو اعتقاد زائف بأن المخدرات وسيلة للهروب من الضغوط بينما الحقيقة أن الهروب المؤقت ينتهي غالبًا إلى سجن دائم، يدفع ثمنه صاحبه ومن يحبونه.
ولذلك فإن المعركة مع المخدرات ليست مسؤولية جهة بعينها، بل مسؤولية تبدأ داخل الأسرة، وتمر بالمدرسة والجامعة، وتشارك فيها المؤسسات الدينية والإعلام والثقافة والرياضة، لأن بناء الإنسان هو خط الدفاع الأول، وكل استثمار في الوعي أقل تكلفة بكثير من علاج الإدمان بعد وقوعه.