استثمار يصنع حضارات « بناء الإنسان قبل العمران»

كتبت: منى محمد

ما قيمة المال إذا ظل حبيس الخزائن، لا يوقظ عقلًا، ولا يزرع أملًا، ولا يصنع مستقبلًا؟ إن الثروة الحقيقية ليست ما يُعد بالأرقام، وإنما ما يُبنى بالعلم، ويزدهر بالفكر، ويثمر بالعمل، أن الاستثمار في الإنسان أسمى صور الاستثمار، وأخلدها أثرًا، وأغزرها عطاءً.

الإنسان، هو نبض الحضارة وروح العمران، وهو القلم الذي يخطُّ صفحات المجد، واليد التي تشيد صروح التقدم، والعقل الذي يحوّل الأحلام إلى حقائق. وما المال إلا وسيلة، أما الغاية فهي أن يسمو الإنسان بعلمه، ويقوى بمهارته، ويشرق وجدانه بالقيم النبيلة، فإذا وجه رأس المال إلى بناء الإنسان، فقد وُضِع في موضعه الصحيح، وسلك الطريق الذي لا يعرف الخيبة.

مدرسة تُفتح، خيرٌ من سجن يُبنى، وكتابًا يُهدى إلى طفل، خيرٌ من كنز يُدفن في الأرض، فالجهل ليل طويل، والعلم فجرٌ تتبدد في ضيائه ظلمات العقول، وتذبل أمام نوره أشواك التخلف، وما أجمل أن تمتد يد العطاء لتغرس في النفوس بذور المعرفة؛ فما يُزرع في العقول يبقى حيًّا، يورق فكرًا، ويثمر إبداعًا، ويمنح الأوطان حصادًا لا ينقطع.

وحين يجد الإنسان من يؤمن بقدراته، ويهيئ له سبل التعلم والعمل والإبداع، تتفتح مواهبه كما تتفتح الأزهار في أول الربيع، وتنبض نفسه بعزيمةٍ لا تعرف الوهن، فالعقول المبدعة لا تولد مكتملة، وإنما تُصقل بالتعليم، وتُروى بالتجربة، وتُزهر بالرعاية والاهتمام، وما أعظم الفرق بين مال يُستهلك في لحظة، ومال يصنع عقلًا يغيّر وجه التاريخ.

علمتنا الأيام أن الأمم لا تنهض بكثرة مواردها، وإنما بوفرة عقولها، فكثيرٌ من البلاد شحّت مواردها، لكنها أغنت العالم بعلمائها ومفكريها ومبدعيها، لأنهم أدركوا أن الإنسان هو المنجم الذي لا ينفد، وأن العقل إذا أُحسن استثماره أخرج من كنوزه ما تعجز عن إخراجه المناجم والحقول.

الشواهد التاريخية تؤكد أن بناء الإنسان يسبق بناء الأوطان؛ فالوطن لا يرتفع بجدرانه، بل بسواعد أبنائه، ولا يخلد بتاريخه، بل بما يضيفه أبناؤه إلى مسيرة الإنسانية،فإذا كان المال يشتري الأشياء، فإن العلم وحده يصنع القيم، والإبداع يفتح آفاق المستقبل، والإرادة تبعث الحياة في كل مشروع.

رأس المال يبلغ ذروة قيمته حين يصبح جسرًا يعبر عليه الإنسان إلى العلم، ومنارةً تهديه إلى الإبداع، وسُلمًا يرتقي به نحو الكرامة والازدهار، فحين يستثمر رأس المال في الإنسان، لا يربح فردًا واحدًا، بل تربح أمةٌ بأسرها، ويولد مستقبلٌ أكثر إشراقًا، وتبقى ثمرة ذلك الاستثمار ممتدة ما امتد العطاء، وتعاقبت الأجيال.

شارك هذا المنشور