حين يتحدث الاقتصاديون عن عناصر نجاح الأسواق فإنهم غالبًا ما يشيرون إلى رأس المال والاستثمار والإنتاج والتكنولوجيا لكن هناك عنصرًا لا يظهر في الجداول الإحصائية رغم أنه قد يكون الأكثر تأثيرًا في استقرار الاقتصاد ونموه وهو الثقة فالسوق لا يقوم على تبادل السلع فقط وإنما يقوم قبل ذلك على تبادل الثقة بين البائع والمشتري وبين المستثمر والدولة وبين العامل وصاحب العمل.
فالأمانة ليست قيمة أخلاقية منفصلة عن الاقتصاد بل هي جزء من بنيته الأساسية فكل معاملة تجارية تعتمد في جوهرها على افتراض أن الطرف الآخر سيلتزم بما وعد به وإذا تراجعت هذه القناعة ارتفعت تكلفة التعاملات وزادت الحاجة إلى الرقابة والإجراءات القانونية وتباطأت حركة الاستثمار والتجارة.
وفي الأسواق التي تنتشر فيها الأمانة يشعر المستهلك بالاطمئنان عند الشراء ويثق المستثمر في أن حقوقه ستكون محفوظة ويطمئن المورد إلى أنه سيحصل على مستحقاته في موعدها هذه الثقة تختصر الوقت والجهد وتقلل النزاعات وتسمح لرؤوس الأموال بالتحرك بحرية أكبر وهو ما ينعكس في النهاية على معدلات النمو وفرص العمل.
أوفي حال أو حين تتراجع الأمانة فإن آثارها لا تتوقف عند خسارة فرد أو شركة بل تمتد إلى الاقتصاد بأكمله فالغش التجاري وإخفاء العيوب والتلاعب في المواصفات وعدم الالتزام بالعقود كلها ممارسات تضعف الثقة تدريجيًا ومع الوقت يصبح الجميع أكثر حذرًا وتزداد تكاليف التحقق والمراجعة ويتردد المستثمرون في ضخ أموال جديدة لأن بيئة الأعمال لم تعد تمنحهم الشعور بالأمان.
ولذلك فإن الدول التي نجحت في بناء اقتصادات قوية لم تعتمد فقط على القوانين الصارمة بل عملت أيضًا على ترسيخ ثقافة النزاهة والالتزام فالقانون يعالج المخالفة بعد وقوعها بينما الأمانة تمنعها من الأساس وكلما ارتفع مستوى الالتزام الأخلاقي داخل المجتمع أصبحت القوانين أكثر فاعلية لأن المواطنين أنفسهم يشاركون في حماية السوق.
والأمانة لا تقتصر على التجار ورجال الأعمال فقط بل هي تشمل جميع الأطراف فالعامل الأمين يرفع إنتاجية المؤسسة والموظف الذي يؤدي عمله بإخلاص يحسن جودة الخدمات والمستهلك الذي يلتزم بحقوق الآخرين يسهم في خلق بيئة اقتصادية صحية إنها منظومة متكاملة إذا اختل أحد أركانها تأثر الجميع.
وفي عصر التجارة الإلكترونية أصبحت الثقة أكثر أهمية من أي وقت مضى فالعميل قد يشتري منتجًا من شخص لم يره وربما من دولة أخرى ويعتمد قراره بالكامل على سمعة البائع وصدقه لذلك أصبحت المصداقية أحد أهم الأصول التي تمتلكها الشركات وقد تفوق في قيمتها كثيرًا من الأصول المادية.
فالاستثمار الحقيقي لا يكون في المباني والآلات وحدها بل في بناء ثقافة تقوم على الصدق والشفافية والوفاء بالالتزامات فهذه القيم تخلق سوقًا أكثر استقرارًا وتجذب المستثمرين وتحمي حقوق المستهلكين وتدفع عجلة الاقتصاد إلى الأمام.
ويمكنني أقول أن الأمانة ليست مجرد فضيلة شخصية وإنما هي ركيزة اقتصادية وكل مجتمع يحافظ على الثقة بين أفراده يمتلك أحد أهم مقومات التنمية والازدهار لأن الأسواق لا تزدهر بالمال وحده وإنما تزدهر حين يصبح الصدق عادة والالتزام ثقافة والثقة رأس مال لا ينفد.