كتب: كريم فؤاد
تعد الآية الكريمة ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [سورة التوبة: 105] من أعظم الآيات التي تحث الإنسان على العمل والإنتاج فهي تبين أن الإسلام لا يدعو إلى الكسل أو الاتكال وإنما يجعل العمل قيمة عظيمة ووسيلة لعمارة الأرض وتحقيق الخير للإنسان والمجتمع وقد ارتبط العمل في الإسلام بالنية الصالحة حتى أصبح العمل المباح عبادة يؤجر عليها المسلم إذا قصد بها وجه الله تعالى ولذلك قيل إن العمل عبادة إذا صلحت النية.
النية هي الأساس الذي يميز بين العادة والعبادة وبين العمل الذي ينال صاحبه الأجر والعمل الذي يقتصر أثره على الدنيا والطبيب الذي يعالج المرضى ابتغاء مرضاة الله والمعلم الذي يخلص في تعليم طلابه والمهندس الذي يتقن عمله والعامل الذي يؤدي واجبه بأمانة وإخلاص جميعهم في عبادة ما دامت نياتهم خالصة لله ويقصدون من أعمالهم خدمة الناس وكسب الرزق الحلال ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» وهذا الحديث الشريف يرسخ أهمية النية ويجعلها معيار قبول الأعمال عند الله تعالى.
ولم يقتصر الإسلام على الحث على العمل فقط بل دعا إلى إتقانه وإحسانه لأن الإتقان دليل على صدق الإيمان وحسن الخلق والإنسان المسلم لا يؤدي عمله لمجرد الحصول على الأجر أو تحقيق المنفعة الشخصية بل يؤديه بإخلاص ومراقبة لله عز وجل مستشعرا أن الله يراه في كل لحظة ومن هنا نفهم معنى قوله تعالى: ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ أي إن الله مطلع على أعمال عباده يعلم ما يخفونه وما يعلنونه وسيجازي كل إنسان بما قدم من خير أو شر.
تظهر أهمية العمل أيضا في بناء المجتمعات ونهضتها حيث لا تتقدم الأمم بالأماني فقط إنما تتقدم بالعلم والعمل والإبداع وكل فرد يؤدي عمله بإتقان يسهم في ازدهار وطنه ورقيه سواء كان طالبا يجتهد في دراسته أو مزارعا يزرع الأرض أو صانعا ينتج أو موظفا يؤدي واجبه بأمانة وعندما تتحول الأعمال اليومية إلى عبادات بفضل النية الصادقة يصبح المجتمع أكثر تعاونا وإخلاصا وإنتاجا وتسوده قيم الأمانة والمسؤولية والاحترام.
والعمل الحلال يمنح الإنسان كرامة وعزة نفس ويبعده عن سؤال الناس أو الاعتماد عليهم وقد كان الأنبياء عليهم السلام يعملون بأيديهم فهذا سيدنا داود عليه السلام كان يصنع الدروع وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يرعى الغنم ويتاجر قبل البعثة ليكون قدوة لأمته في قيمة العمل الشريف والكسب الطيب وهذا يدل على أن مكانة الإنسان لا تقاس بنوع المهنة التي يمارسها إنما بإخلاصه فيها وإتقانه لها ونفعه للناس.
من صور صلاح النية أن يقصد الإنسان بعمله إعفاف نفسه وأسرته وخدمة مجتمعه والمساهمة في تنمية وطنه وأن يبتعد عن الغش والخيانة والكسل لأن هذه الصفات تنافي تعاليم الإسلام والموظف الذي يحافظ على وقت عمله والتاجر الذي يصدق في بيعه والعامل الذي يؤدي واجبه بإتقان جميعهم يجسدون المعنى الحقيقي لعبادة العمل ويحققون مقاصد الإسلام في نشر الخير والعدل بين الناس.
ويتضح أن الإسلام جعل العمل عبادة متى اقترن بالنية الصالحة والإخلاص والإتقان والإنسان يستطيع أن يحول أعماله اليومية كلها إلى حسنات وأجور إذا استحضر نية صادقة في كل ما يقوم به ومن هنا ينبغي أن نجعل شعارنا دائما قول الله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ وأن نجتهد في أعمالنا ونخلص فيها ونبتغي بها رضا الله تعالى حتى ننال خير الدنيا وثواب الآخرة ونكون أفرادا صالحين يسهمون في بناء مجتمع قوي ومزدهر قائم على العمل والأمانة والإخلاص.