بقلم : نجوى ابراهيم
مصطلح وهم المعرفة هو حالة جدلية قائمة فى الوقت الحالى حين يظن الإنسان أنه يعلم لمجرد أنه يملك وسيلة للوصول إلى المعلومة، أو لأنه قرأ عناوين عابرة ومنشورات مقتضبة على منصات التواصل الاجتماعي.
وبين السطور الكثيرة التي نستهلكها يومياً في عصر التدفق المعلوماتي والتى تتمثل فى ريلز سريعه أو بوستات تحليلية من خبراء أو شبه خبراء على الفيس بوك دون وسيلة التوثيق أو التأكد.
هذا المصطلح لا يعبر عن الجهل المباشر، بل عن حالة أشد عمقاً؛. إنها الفجوة الشاسعة بين "حشو الأذهان بالبيانات" وبين "الفهم الحقيقي القابل للتطبيق".
لقد تحولت المعرفة في زماننا من قيمة تُطلب بالجهد والبحث والصبر، إلى سلعة سريعة الاستهلاك حيث تقدم الخلاصة على طبق من ذهب، فيعتقد المتلقى أنه أخذ خلاصة عصير الكتب والمراجع دون بحث وتقصى ولا حتى توثيق، هذا التيسير الرقمي خلق جيلاً يعتقد أن امتلاك الروابط والمراجع في هاتفه يعادل استيعابها في عقله.
والنتيجة المباشرة لهذا الوهم هي التوقف عن التعلم الحقيقي؛ فالشخص الذي يظن أنه وصل إلى نهاية الفهم، لن يكلف نفسه عناء البحث أو الاستماع، بل سيكتفي بمقعد المتفرج الذي يطلق الأحكام يمنة ويسرة دون أرضية صلبة يقف عليها.
الخطورة الحقيقية لوهم المعرفة تتجلى عندما يوضع هذا "العلم النظري" في ميزان الواقع والتطبيق فالعلم الذي لا يتحول إلى سلوك يومي، أو حل لمشكلة، أو منتج ملموس، يبقى مجرد حبر على ورق أو سطور مخزنة في الذاكرة. العلم وحده لا يكفي، لأنه ببساطة لا يملك أرجلاً ليمشي بها ولا ايدى للتطبيق؛ فالعمل هو الذي يمنحه القيمة والحياة.
وبدون هذا التحول، يتحول العلم إلى ترف فكري لا يغير من واقع عقول المجتمعات شيئاً، ويصبح صاحبه كمن يحفظ خريطة الطريق بدقة تفصيلية لكنه لا يخطو خطوة واحدة نحو وجهته ببساطه لانه لم يفهما لا تطبيقا ولا بحثا.
لذا، فإن مواجهة هذا الوهم تبدأ من الاعتراف بحدود ما نعرف، وإدراك أن تخزين المعلومات ليس بديلاً عن استيعابها والتعب عليها من بداية الهرم فالبحث عن المعلومة يتدرج من القاعده الى القمه حتى يصل العقل لمبتغاه.
كما أن تحويل المعرفة من دائرة "الاستهلاك الذهني" إلى دائرة "الإنتاج الفعلي" هو التحدي الحقيقي اليوم فالعلم بلا تطبيق يظل كالورق حبيس الإدراج لا نعلم ما به ولا يغنى ولا يسمن من جوع ،لذا فنحن نحتاج إلى إعادة الاعتبار للممارسة والتجربة والخطأ، باعتبارها الفلتر الوحيد الذي يميز العالم الحقيقي من مدعي المعرفة.
فالقيمة لا تكمن في كمية ما نقرأ ونحفظ، بل في المساحة التي نغيرها من حولنا بفضل ما علمنا.