لم يعد التقرير الصحفي الاحترافي قائمًا على جمع التصريحات المتاحة أو إعادة ترتيب المعلومات المنشورة عبر المواقع والمنصات الرقمية، بل أصبح نجاحه مرتبطًا بقدرة الصحفي على الوصول إلى المصادر المتخصصة التي تمتلك المعرفة والخبرة والقدرة على تفسير ما وراء الأرقام والأحداث.
يمكن أن يصرح المصدر الرسمي للصحفي بتصريح صحفي أو بيان رسمي بحدث وقع أو حتى قبل وقوعه أو بالقرار الذي جرى اتخاذه، ولكن الخبير المتخصص يساعد في الإجابة عن أسئلة أكثر عمقًا: لماذا حدث ذلك؟ وما النتائج المتوقعة؟ وهل تتفق التصريحات الرسمية مع الواقع العلمي أو الاقتصادي أو القانوني؟ وما السيناريوهات التي قد تظهر مستقبلًا؟.
وتزداد أهمية الخبراء في وقت تتدفق فيه المعلومات بسرعة، وتتداخل فيه الأخبار الصحيحة مع المحتوى المضلل أو غير الدقيق.
ويرى معهد رويترز لدراسة الصحافة أن الصحافة تؤدي دورًا أساسيًا في تشكيل فهم الجمهور للخبرة والمعرفة المتخصصة، من خلال اختيار الخبراء وتقديم آرائهم وتحديد مدى شرعيتهم ومصداقيتهم أمام الجمهور.
لماذا تضيف المصادر المتخصصة قيمة إلى التقرير الصحفي ( التغطية الإعلامية)؟
تمنح المصادر المتخصصة التقرير قيمة تفسيرية لا توفرها البيانات الخام وحدها؛ فعندما يكتب الصحفي عن ارتفاع أسعار سلعة معينة، يمكنه الاعتماد على البيانات الرسمية لتوضيح حجم الزيادة، لكنه يحتاج إلى خبير اقتصادي أو متخصص في الأسواق لشرح أسبابها، مثل ارتفاع تكاليف الإنتاج أو اضطراب سلاسل الإمداد أو تغير سعر الصرف.
وفي الموضوعات الصحية، لا يكفي نقل أرقام الإصابات أو تصريحات شركات الأدوية، بل يجب الرجوع إلى أطباء وباحثين مستقلين يستطيعون تقييم الأدلة العلمية، وشرح حدود الدراسات، والكشف عن أي مبالغة في النتائج.
وتؤكد وكالة أسوشيتد برس أن التحقق المهني لا يعتمد على مصدر واحد، بل على عدة مصادر مستقلة وموثوقة، إلى جانب الدراسات وقواعد البيانات عندما تكون متاحة. ويعني ذلك أن رأي الخبير لا يحل محل الوثائق أو الأرقام، وإنما يساعد في فحصها ووضعها في سياق مفهوم.
كما تساعد المصادر المتخصصة الصحفي على تجنب التفسيرات السطحية؛ فالخبير الجيد لا يقدم مجرد اقتباس يُضاف إلى التقرير، وإنما يكشف العلاقات بين الأسباب والنتائج، ويشير إلى المعلومات الناقصة، ويضع الحدث داخل سياقه التاريخي أو العلمي أو التشريعي.
من هو الخبير المناسب للتغطية الإعلامية؟
لا تعني الشهرة الإعلامية بالضرورة أن الشخص هو المصدر الأكثر تخصصًا فقد يظهر بعض المتحدثين باستمرار في وسائل الإعلام بسبب قدرتهم على الحديث المبسط أو علاقاتهم بالمؤسسات الصحفية، بينما يمتلك باحثون أقل شهرة معرفة أكثر دقة بالموضوع.
وجوبًا أن يفحص الصحفي التخصص المباشر للخبير، ومؤهلاته العلمية أو خبرته المهنية، وأبحاثه أو أعماله السابقة، ومدى ارتباطها بالسؤال الذي يناقشه التقرير.
ومن الضروري أيضًا معرفة الجهة التي يعمل معها الخبير، ومصادر تمويل أبحاثه، وعلاقاته بالشركات أو المؤسسات المعنية بالموضوع؛ ففي بعض القطاعات، مثل الصحة والطاقة والعقارات والتكنولوجيا، قد تؤثر المصالح التجارية في الطريقة التي يقدم بها الخبير المعلومات.
وتشير الشبكة العالمية للصحافة الاستقصائية إلى أهمية فحص خلفيات المصادر ومصالحها المحتملة، خصوصًا عندما توجد علاقات مالية أو مهنية قد تمثل تضاربًا في المصالح.
ولا يعني وجود مصلحة استبعاد المصدر تلقائيًا، لكنه يستوجب الإفصاح عنها، ومقارنة رأيه بآراء خبراء مستقلين، وعدم تقديمه إلى القارئ باعتباره صوتًا محايدًا.
كيف يصل الصحفي إلى المصادر والخبراء؟
تبدأ عملية الوصول إلى الخبراء بالبحث المنظم، وليس بإرسال عشرات الرسائل العشوائية، ويمكن للصحفي مراجعة مواقع الجامعات والمراكز البحثية والنقابات المهنية والجمعيات العلمية، والبحث عن أسماء الباحثين الذين نشروا دراسات حديثة حول موضوع التقرير.
كما توفر الأوراق العلمية وسيلة مباشرة للوصول إلى الباحثين، إذ تتضمن عادة اسم الباحث المسؤول عن المراسلات وبيانات المؤسسة التي ينتمي إليها، ويمكن أيضًا الاستفادة من المؤتمرات والندوات المتخصصة، وصفحات الأقسام الأكاديمية، وقواعد بيانات الخبراء، ومنصات التواصل المهني مثل ” لينكدإن”.
وتوفر الشبكة العالمية للصحافة الاستقصائية أدلة وقواعد بيانات تساعد الصحفيين في العثور على خبراء موثوقين في مجالات متعددة، بعد استبعاد عدد من الخدمات القديمة أو شديدة الارتباط بالعلاقات العامة.
ويستطيع الصحفي توسيع شبكة مصادره من خلال سؤال كل خبير يتواصل معه عن أسماء متخصصين آخرين يختلفون معه أو يقدمون زوايا إضافية، ومع الوقت، تتحول هذه الأسماء إلى خريطة مصادر تضم باحثين ومهنيين ومسؤولين وأشخاصًا متأثرين بالقضية.
كيف تكتب رسالة تجعل الخبير يستجيب؟
يفضل أن تكون الرسالة قصيرة وواضحة، وأن تتضمن اسم الصحفي والمؤسسة التي يعمل معها، وموضوع التقرير، والزاوية التي يناقشها، والمدة المتوقعة للمقابلة، والموعد النهائي للنشر.
ومن المهم أن يعرف الخبير سبب اختياره تحديدًا، فبدلًا من كتابة عبارة عامة مثل: ” أرغب في التعليق على موضوع اقتصادي”، يمكن الإشارة إلى دراسة أو بحث نشره الخبير، وطرح سؤال محدد يرتبط بمجال تخصصه.
كذلك يجب احترام وقت المصدر، وإتاحة أكثر من وسيلة لإجراء المقابلة، سواء عبر الهاتف أو البريد الإلكتروني أو تطبيقات الاتصال المرئي، مع توضيح ما إذا كان الحديث سيجري للنشر باسمه أم يحتاج إلى اتفاق مختلف بشأن طريقة الإسناد.
كيف تستفيد من رأي الخبير دون أن يتحول التقرير إلى محاضرة؟
تبدأ الاستفادة الحقيقية من الخبير قبل إجراء المقابلة، ويقوم الصحفي بقراءة المعلومات الأساسية والاطلاع على أبرز المصطلحات والبيانات حتى لا يستهلك وقت اللقاء في أسئلة يمكن معرفة إجاباتها بسهولة.
ويفضل طرح أسئلة مفتوحة، مثل: ما السبب الأكثر تأثيرًا في المشكلة؟ وما الأدلة التي يستند إليها هذا التفسير؟ وما الذي لا نعرفه حتى الآن؟ وهل توجد آراء علمية مختلفة؟ وما الخطأ الشائع في تناول وسائل الإعلام لهذا الموضوع؟
ومن الأسئلة المهمة أيضًا: ما حدود هذه الدراسة أو البيانات؟ وهل يمكن تطبيق نتائجها على جميع الحالات؟ فقد أوضحت منصة «The Journalist’s Resource» أن الأبحاث الأكاديمية أداة قوية لدعم التقارير وفحص تصريحات المسؤولين، لكنها تحتاج إلى مهارة في التمييز بين الدراسات الجيدة والأبحاث التي تحتوي على مشكلات منهجية أو استنتاجات مبالغ فيها.
وبعد المقابلة، يجب مراجعة الأسماء والأرقام والمصطلحات، ومقارنة رأي الخبير بالوثائق والمصادر الأخرى، وعدم انتزاع جملة من سياقها لإنتاج عنوان مثير يخالف المعنى الذي قصده.
الخبراء ليسوا بديلًا عن أصوات الناس
بالرغم من أهمية المصادر المتخصصة؛ فلا ينبغي أن يقتصر التقرير على الخبراء والمسؤولين، حيث إن التغطية المتوازنة تجمع عادة بين البيانات الرسمية، والتفسير المتخصص، وتجارب الأشخاص الذين يعيشون المشكلة بصورة مباشرة.
يُشار إلى إن الخبير يستطيع تفسير تأثير قرار اقتصادي على الأسر، لكن المواطن هو من يصف كيف انعكس القرار على مصروفاته اليومية، ويمكن للباحث شرح أسباب التسرب من التعليم، بينما يقدم الطالب أو ولي الأمر تفاصيل الواقع الذي لا يظهر كاملًا في الإحصاءات؛ فيصبح التقرير أكثر إنسانية، ويجمع بين المعرفة النظرية والخبرة الحياتية، بدلًا من تحويل الجمهور إلى مجرد أرقام داخل الجداول.
بناء شبكة المصادر استثمار في تطوير الصحفي
لا تقتصر فائدة التواصل مع الخبراء على إنتاج تقرير واحد، بل تمثل جزءًا من عملية التنمية المهنية والشخصية للصحفي؛ فكل مقابلة متخصصة توسع معرفته، وتحسن قدرته على طرح الأسئلة، وتزيد ثقته في التعامل مع الموضوعات المعقدة.
كما يساعد الاستماع الجيد، واحترام اختلاف الآراء، والقدرة على تبسيط المصطلحات، وبناء علاقات مهنية قائمة على الثقة، في تطوير مهارات التواصل والتفكير النقدي والتعلم المستمر.
وتضع جمعية الصحفيين المحترفين الدقة والعدالة والتحقق من المعلومات في قلب العمل الصحفي الأخلاقي، مع التأكيد على مسؤولية الصحفي عن صحة ما ينشره والرجوع قدر الإمكان إلى المصادر الأصلية.
التقرير الاحترافي لا يتم قياسه بعدد المصادر التي تظهر داخله، وإنما بجودة اختيارها، وتنوعها، واستقلالها، وقدرتها على إضافة معلومات أو تفسيرات لا يمكن للقارئ الوصول إليها بسهولة؛ وكلما نجح الصحفي في الجمع بين الوثيقة والرقم ورأي الخبير وتجربة الإنسان، أصبح تقريره أكثر دقة وعمقًا وفائدة، وأكثر قدرة على بناء الثقة والبقاء مرجعًا قابلًا للعودة إليه.