في زمن تتسارع فيه الأحداث، وتنتشر فيه المعلومات في لحظات، أصبحت الشاشات نافذة البشر إلى العالم، يتلقون من خلالها الأخبار ويتبادلون المعلومات، لكن وسط هذا التدفق الهائل تخرج الشائعة كالرصاصة التي تستهدف تمزيق جسد المجتمع، تنطلق عبر الفضاء الإلكتروني بسرعة فائقة، لتجد من يعيد نشرها وتداولها دون تمحيص أو تحقق، حتى يصبح كل من يمتلك حسابًا على إحدى منصات التواصل الاجتماعي قادرًا على المساهمة في انتشارها، وربما يضيف إليها تفاصيل من عنده، وهو لا يعلم أنه يروج لخبر كاذب قد تكون عواقبه وخيمة.
وتنتشر الشائعة بسرعة لعدة أسباب، من أبرزها الخوف والقلق والترقب، فحين يعيش الناس حالة من التوتر تجاه قضية أو حدث معين، يصبح البعض أكثر قابلية لتصديق أي معلومة متداولة، حتى وإن كانت مجهولة المصدر، كما يدفع الفضول والرغبة في معرفة الجديد كثيرين إلى إعادة نشر الأخبار دون التأكد من صحتها، فتتحول الأكذوبة مع كثرة تداولها إلى ما يشبه الحقيقة في نظر البعض.
وحين تتحول الشائعة إلى خطر، فإنها لا تكتفي بتضليل الرأي العام، بل تصيب المجتمع بحالة من الذعر والارتباك، وهو ما يسعى إليه أصحاب الأهداف الخبيثة الذين يستخدمون الأكاذيب وسيلة لبث الخوف وزعزعة الاستقرار.
وتبدأ الشائعة غالبًا من حسابات مجهولة أو عبر ما يُعرف بالذباب الإلكتروني، ثم تنتقل بسرعة بين المستخدمين، ليحقق مطلقوها أهدافهم بأيدي أشخاص لم يقصدوا الإضرار بأوطانهم.
ولا تتوقف خطورة الشائعات عند هذا الحد، بل تمتد إلى تشويه سمعة الأشخاص والمؤسسات، والتقليل من حجم الإنجازات، وإثارة الفتن بين المواطنين ومؤسسات الدولة، وبث مشاعر الإحباط وفقدان الثقة، كما تؤثر بصورة مباشرة على الأمن والاستقرار، وتربك الرأي العام، وقد تضر بالاقتصاد، وتثير البلبلة في أوقات الأزمات، لتصبح أحد أخطر أساليب الحروب النفسية وحروب المعلومات التي تستهدف العقول قبل أن تستهدف الحدود.
ولا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي تحمل وجهين؛ فهي نعمة عظيمة عندما تُستخدم في نشر المعرفة وتبادل المعلومات الصحيحة، لكنها تتحول إلى نقمة عندما تصبح منصة خصبة لتداول الشائعات بسبب سرعة النشر وسهولة إعادة المشاركة، حتى إن الخبر الكاذب قد يصل إلى ملايين الأشخاص في دقائق معدودة قبل أن تظهر الحقيقة.
ومن هنا، تقع على عاتق الأفراد مسؤولية وطنية في مواجهة الشائعات والتصدي لها، وذلك من خلال التحقق من مصدر المعلومات، وعدم مشاركة أي أخبار مجهولة، والتفكير قليلًا قبل الضغط على زر “المشاركة”، حتى لا يكون الإنسان، دون قصد، أداة في يد من يسعون إلى تضليل المجتمع وهدم الأوطان، فالكلمة مسؤولية، وضغطة زر قد تبني وعيًا، وقد تهدم استقرارًا.
كما يقع على عاتق وسائل الإعلام والمؤسسات مسؤولية كبيرة في نشر المعلومات الصحيحة، وسرعة الرد على الشائعات، وتعزيز جسور الثقة مع الجمهور، لأن المعلومة الدقيقة التي تصل في الوقت المناسب تُغلق الباب أمام مروجي الأكاذيب، وتُفشل محاولاتهم في إثارة البلبلة وزعزعة الثقة.
ومن الضروري أيضًا أن يمتلك المواطن ثقافة الوعي الرقمي، وأن يتعلم مهارات التحقق من الأخبار، وأن يتحلى بالتفكير النقدي قبل تصديق أو تداول أي معلومة، مع غرس هذه القيم في نفوس الشباب، باعتبارهم الفئة الأكثر استخدامًا لوسائل التواصل الاجتماعي، فهم خط الدفاع الأول في مواجهة حملات التضليل الإلكتروني.
إن مكافحة الشائعات ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل مسؤولية كل مستخدم للإنترنت، لأن حماية الأوطان لا تكون بالسلاح وحده، وإنما تكون أيضًا بالكلمة الصادقة، والعقل الواعي، والضمير المسؤول.
وفي زمن أصبحت فيه المعلومة تنتشر في ثوانٍ، يبقى الوعي هو خط الدفاع الأول، والفارق الحقيقي بين مجتمع تقوده الحقيقة، وآخر تقوده الشائعات.