اقتصاد رباني

كتبت مي عبدالسلام

تُجمع الأديان السماوية على أن المال والاقتصاد ليسا مجرد أدوات مادية لتبادل المنافع، بل هما عصب الحياة الإنسانية وجزء لا يتجزأ من الأخلاق والمعاملات اليومية، حيث تلتقي الشرائع كلها عند فكرة أساسية وهي أن المال مال الله، وأن الإنسان مؤتمن عليه ليعمر الأرض ويحقق العدالة بين البشر.
​يبدأ هذا المنظور الأخلاقي بالاقتصاد من التأكيد على الأمانة والمسؤولية الاجتماعية، حيث تدعو التعاليم الدينية إلى الصدق في التجارة، وتحرم الغش والخداع، وتشدد على إعطاء العمال حقوقهم فوراً دون تأخير، مع وضع آليات تضمن عدم انحصار الثروة في أيدي فئة قليلة، مما يحمي الفئات الضعيفة ويضمن توزيعاً عادلاً للموارد.
​ويتصل بذلك محاربة الجشع والاستغلال، إذ تحذر الأديان من خطورة استعباد المادة للإنسان، وتعتبر مساعدة الفقراء والمحتاجين واجباً أصيلاً وليس مجرد تفضل، كما تحرم بقوة المعاملات القائمة على الربا والمقامرة واحتكار السلع، لأنها تحقق مكاسب سريعة على حساب حاجة الناس ودون تقديم نفع حقيقي للمجتمع.
​ومن هذا المنطلق، يتميز الفكر الديني بتقديم نموذج متوازن يجمع بين المادة والروح، فهو يرفع من قيمة العمل والسعي ويكافئ عليه كنوع من العبادة، وفي الوقت نفسه يدعو إلى الوسطية والاعتدال، فينهى عن الإسراف والتبذير والمباهاة، كما يرفض الشح والبخل.
​وينتهي هذا التسلسل إلى غاية أسمى وهي إدخال مفاهيم الضمير والرحمة والعدالة إلى لغة الأسواق، ليتحول الاقتصاد من ساحة للصراع والاستغلال إلى وسيلة للبناء والتعاون البشري، مما يقدم حلاً حقيقياً للأزمات المعاصرة وفجوات الفقر عبر موازنة دافع الربح الفردي بأخلاق التراحم الإنساني.

شارك هذا المنشور