المجتمع هو المسؤول الأول والأخير عن تشكيل الوعي عند الفرد وهو القادر على ضبط مؤشر النجاح إما صعودا فتتحقق الانتصارات أو هبوطا فيتحقق الفشل، وهو المسؤول الأول والأخير عن تشكيل وبناء عقلية الإنجاز.
من المعروف أن النجاح لا يأتي صدفة مطلقا مهما كان الإنسان يتسم بالذكاء أو بفنون المهارات المختلفة ولكن لا بد أولا أن نتأمل مراحل النجاح أو مستوياته فليس كل إنسان يحقق نجاحا بين يوم وليلة، فالإنسان فارغ الثقافة والهوية والمضمون لا يمكن أن يحقق نجاحا ولا كان على المستوى الشخصي فالحظ والصدفة ليسوا بالمسببات لتحقيق النجاح ولو بنسبة ضئيلة وهنا لا بد أن نلقي الضوء على عقلية الإنجاز ودور المجتمع في تشكيلها.
الفرد لا ينجح في فراغ، بل تتحكم البيئة الاجتماعية والمؤسسية التي ينشأ فيها بقوة في توجيه طاقاته؛ فكيف تبني المجتمعات فعقلية الإنجاز التي تحول الطموحات الفردية إلى واقع ملموس؟
تبدأ بناء عقلية الإنجاز من المهد، وتحديداً عبر الأسرة والمؤسسات التعليمية فالمجتمع الذي يرسي ثقافة الإنجاز يبتعد تماماً عن نمط التعليم القائم على التلقين واستظهار المعلومات، ويتجه نحو غرس عقلية النمو وهي الفكرة التي تؤكد أن القدرات والذكاء ليسا طاقات جامدة يولد بها المرء، بل مهارات قابلة للتطوير بالجهد والممارسة، فعندما ينشأ الطفل في بيئة تكافئ المحاولة والمثابرة بدلاً من التركيز الفردي على النتائج الكلمية يتعلم أن الفشل ليس نهاية المطاف بل هو محطة تعليمية واعتيادية للوصول إلى التميز هذه النظرة التراكمية للمجهود هي اللبنة الأولى في صرح النجاح، فأي إنجاز يتحقق لا بد وأن يمر بعقبات وقد يصفها المجتمع بأنها وصمة الفشل وهي الوصمة يترجمها العقل عندما يشعر الفرد بأنه منبوذ من المجتمع فيفضل العزلة والابتعاد عن الناس والبقاء في مناطق الراحة والأمان ويفضل التراجع على المخاطرة المحسوبة، وفي مجتمعات أخرى ترى أن الفشل يكسب صاحبه خبرة لا تقدر بمال فالبعض يرى أن الفشلة لديهم الشجاعة الكافية لمواجهة المجتمع بما وصلوا إليه في حياتهم المهنية والعملية
على الجانب الآخر، تعيد المجتمعات المنجزة تعريف الفشل؛ فتراه تجربة معملية تُكسب صاحبها خبرة لا تُقدّر بمال فمهما امتلك الأفراد من عزيمة وعقلية إنجاز ستبقى جهودهم هباءً إذا تصادمت مع بيئة تسودها المحسوبية والوساطة، فبناء عقلية الإنجاز على مستوى جماعي يتطلب إيصال رسالة واضحة لكل فرد، وهنا لا بد من الاستعانة بالقدوة الحسنة وضرب الأمثلة بها لأن النماذج الاجتماعية البارزة تلعب دورا كبيرا في تحفيز الآخرين ودفعهم إلى تطور ورسم مستقبل أكثر إشراقا ونجاحا.
فالنجاح في جوهره ليس ضربة حظ تصيب العاطلين، بل هو صناعة واعية وحتمية استراتيجية يصنع الفرد نجاحه عبر الإرادة والعمل والتطوير المستمر بينما يصنع المجتمع هذا النجاح عبر توفير البيئة الحاضنة، والتعليم المرن، والعدالة المؤسسية، والثقافة التي تقدّر العمل وتتقبل العثرات،
فحين تتكامل إرادة الفرد الصلبة مع بيئة مجتمعية محفزة تتحول عقلية الإنجاز من مجرد شعار براق إلى أسلوب حياة لتتحول المجتمعات من حالة الانتظار والاتكالية إلى قيادة مسارات التطور والبناء وهنا يبدأ العالم في إعادة اكتشاف المواهب التي توارت خلف الحُجب بسبب المجتمعات التي خلقت حلوة دائرة التحييز والتقييد دون التفكير في التغيير أو التطور فاختاروا البقاء في أماكنهم بهدوء تام دون أن يتعرضوا للمجتمع أو يتعرض المجتمع لهم بانتقاداته اللاذعة وبوصمته التي لا يمحوها زمان ولا مكان،
فتشكيل عقلية الإنجاز تحتاج إلى قوة مثابرة وإيمان بالمواهب والعمل الجاد والابتكار والمسؤولية الاجتماعية وتعاون فريق العمل كفرد واحد وليس كمجموعة أفراد حتى يصل الإنسان إلى مستقبل مشرق.