ليس كل باب يُفتح بالمفتاح… «إزاي أخلى المصدر خاتم في صباعي»؟!

الحقيقة لا يصل إليها الصحفي بمجرد امتلاك أفضل الأسئلة، أو أحدث وسائل البحث، أو أقوى الأدوات، فهو يظل عاجزًا عن الوصول إليها إذا أغلق المصدر قلبه قبل أن يغلق هاتفه، فالمعلومة لا تخرج دائمًا بالأسئلة المباشرة، وإنما تولد في اللحظة التي يشعر فيها المصدر بالأمان، ويقتنع أن من يجلس أمامه لا يبحث عن سبق صحفي فقط، ويحترم قصته ويقدر مسؤوليته.

 

الثقة ليست مهارة ثانوية في العمل الصحفي، إنها رأس المال الحقيقي لكل صحفي ناجح، فهناك مصادر ترفض الحديث لعشرات الأشخاص، ثم تمنح تفاصيل دقيقة لشخص واحد فقط، والسبب لا يكون الشهرة أو المنصب، وإنما الطريقة التي تعامل بها مع الإنسان قبل أن يتعامل مع الخبر.

 

البداية الناجحة لأي تواصل تعتمد على التحضير الجيد، فالمصدر يدرك سريعًا ما إذا كان الصحفي يعرف تفاصيل الموضوع أم جاء ليجمع معلومات بشكل عشوائي، لذلك فإن قراءة الخلفية الكاملة للملف، وفهم أبعاده، والاطلاع على التصريحات السابقة، تمنح الصحفي قدرة على طرح أسئلة ذكية تعكس احترافيته، وهو ما يجعل المصدر يشعر أن وقته لن يضيع في حديث بلا قيمة.

 

الإنصات من أكثر الأساليب التي تجعل المصدر أكثر استعدادًا للكلام، فكثير من الصحفيين ينشغلون بالتفكير في السؤال التالي بينما المصدر لا يزال يتحدث، فيفقدون تفاصيل قد تكون مفتاح القصة بالكامل، أما الصحفي الجيد فيترك للمصدر المساحة الكافية للتعبير، ويستخدم لغة الجسد ونبرة الصوت ونظرات الاهتمام ليؤكد أنه يستمع بصدق، لأن الناس تميل بطبيعتها إلى من يمنحها اهتمامًا حقيقيًا.

 

الأسئلة أيضًا تصنع فارقًا كبيرًا، فبدلًا من توجيه أسئلة مغلقة تنتهي بإجابة قصيرة، يفضل استخدام أسئلة مفتوحة تدفع المصدر إلى السرد والتوضيح، فحين يشعر أن أمامه شخصًا يريد أن يفهم لا أن يدين، يصبح أكثر راحة في مشاركة التفاصيل، ومع كل دقيقة يزداد مستوى الثقة بين الطرفين.

 

الشفافية عنصر لا يمكن تجاهله، فإخفاء هوية الصحفي أو الهدف من الحوار قد يحقق معلومة سريعة، لكنه يهدم أي فرصة لبناء علاقة طويلة الأمد، بينما توضيح طبيعة المادة الصحفية، وكيف ستستخدم المعلومات، وما إذا كانت بعض التصريحات ستكون للنشر أو للخلفية فقط، يمنح المصدر شعورًا بالاطمئنان ويقلل من حالة التردد.

 

الاحترام لا يظهر في الكلمات فقط، وإنما في الالتزام بالمواعيد، والحفاظ على سرية المعلومات المتفق عليها، وعدم اقتطاع التصريحات بطريقة تغير معناها، فكل موقف مهني صادق يضيف رصيدًا جديدًا من الثقة، وكل خطأ صغير قد يهدم علاقة استغرق بناؤها سنوات.

 

كثير من المصادر لا تحتاج إلى الإلحاح بقدر ما تحتاج إلى الصبر، فبعض الأشخاص يختبرون الصحفي قبل أن يمنحوه المعلومات، وقد يكتفون في اللقاء الأول بحديث عام، ثم يعودون لاحقًا بمعلومات أكثر أهمية بعدما يتأكدون من مصداقيته، لذلك فإن العلاقات المهنية الناجحة تبنى بالتراكم وليس بالاستعجال.

 

التواصل الإنساني يصنع فارقًا لا يقل أهمية عن المهارة الصحفية، فإظهار التقدير للمصدر، وشكره على وقته، وعدم التواصل معه فقط عند الحاجة، كلها تصرفات تترك انطباعًا إيجابيًا، وتجعل العلاقة أكثر استقرارًا، لأن المصدر يشعر أنه ليس مجرد وسيلة للحصول على خبر، وإنما شريك في تقديم معلومة تخدم الرأي العام.

 

الصحفي المحترف يعرف أيضًا أن الثقة لا تعني تصديق كل ما يسمعه، فالمهنية تفرض التحقق من المعلومات ومقارنتها بمصادر أخرى، لأن احترام المصدر لا يتعارض مع واجب التأكد من صحة ما يقول، فالمصادر المحترمة تقدر الصحفي الذي يدقق ويبحث قبل النشر.

 

وراء أغلب التحقيقات الصحفية الكبرى، والعناوين التي غيرت مسار قضايا كاملة، يقف مصدر وثق في صحفي أكثر مما وثق في أي شخص آخر، وهذه الثقة لم تولد بالصدفة، وإنما صنعتها الأخلاق، والالتزام، والإنصات، والصدق، وحين ينجح الصحفي في كسب ثقة مصدره، فإنه لا يحصل على معلومة فقط، ويفتح بابًا قد يقوده إلى عشرات القصص التي لا يعرفها أحد.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *