الاقتصاد والقيم.. لماذا لا يكفي الربح وحده؟

اعتدنا أن ننظر إلى الاقتصاد باعتباره علمًا للأرقام نمو وتضخم واستثمارات وأسواق لكن خلف هذه المؤشرات توجد قوة أكثر تأثيرًا وإن كانت أقل ظهورًا وهي القيم التي تحكم سلوك الأفراد والمؤسسات فالأرقام لا تتحرك وحدها بل يحركها الإنسان والإنسان تحركه منظومة من المبادئ والاختيارات.

لذلك فإن العلاقة بين الاقتصاد والقيم ليست علاقة هامشية بل علاقة تأسيسية فلا يمكن أن يزدهر اقتصاد في بيئة يغيب عنها الصدق أو تنتشر فيها ثقافة الغش أو يصبح فيها الالتزام بالقانون استثناءً لا قاعدة قد تحقق بعض الممارسات غير الأخلاقية أرباحًا سريعة لكنها تترك وراءها خسائر أكبر لا تظهر فورًا في الميزانيات وإنما تظهر في تراجع الثقة وهروب الاستثمار وارتفاع تكلفة التعامل بين الناس.

والثقة هي أول قيمة اقتصادية حتى وإن لم تُدرج ضمن المؤشرات الرسمية فكل عملية بيع وشراء وكل عقد استثمار وكل شراكة تجارية تقوم في جوهرها على اقتناع كل طرف بأن الطرف الآخر سيلتزم بما وعد به وإذا تآكلت هذه الثقة أصبحت كل معاملة تحتاج إلى مزيد من الضمانات والإجراءات والنزاعات فتزداد التكلفة ويتباطأ النشاط الاقتصادي.. والأمر لا يقتصر على رجال الأعمال أو أصحاب الشركات فالقيم الاقتصادية تبدأ من أبسط التفاصيل اليومية الموظف الذي يؤدي عمله بإخلاص يرفع إنتاجية المؤسسة والعامل الذي يحافظ على المعدات يقلل من الهدر والتاجر الذي يعلن السعر الحقيقي يحمي المنافسة العادلة والمستهلك الذي يرفض شراء السلع المغشوشة يوجه السوق نحو الجودة لا الخداع.

وفي المقابل فإن بعض السلوكيات التي قد يراها البعض ذكاءً أو شطارة تمثل في حقيقتها استنزافًا للاقتصاد فالتهرب من الالتزامات والغش في المنتجات والاحتكار واستغلال الأزمات لتحقيق مكاسب غير مبررة كلها تصرفات تحقق منفعة لفرد أو مؤسسة على حساب المجتمع بأكمله وما يخسره الاقتصاد من الثقة بسبب هذه الممارسات قد يكون أكبر بكثير مما يربحه أصحابها على المدى القصير.

ولعل أهم ما يميز الاقتصادات الناجحة حول العالم ليس فقط امتلاكها التكنولوجيا أو رؤوس الأموال بل وجود ثقافة عامة تحترم قيمة الوقت وتقدر العمل وتلتزم بالقانون وتعتبر الجودة مسؤولية وليست رفاهية فالقيم هنا ليست شعارات أخلاقية بل جزء من البنية الاقتصادية التي تساعد على جذب الاستثمار وتشجع الابتكار وتمنح الأسواق قدرًا أكبر من الاستقرار.

وكذلك فأن القيم تمنح الاقتصاد بُعدًا إنسانيًا فنجاح أي سياسة اقتصادية لا يُقاس فقط بحجم الإيرادات أو معدلات النمو وإنما أيضًا بقدرتها على تحسين حياة الناس وتوفير فرص عادلة وحماية الفئات الأكثر احتياجًا وتحقيق توازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية فالاقتصاد الذي يحقق أرقامًا مرتفعة بينما يترك شرائح واسعة من المجتمع خارج دائرة التنمية يواجه تحديات قد تهدد استدامة هذا النجاح.

ومن هنا تأتي أهمية التربية والتعليم والإعلام في غرس القيم المرتبطة بالعمل والإنتاج والالتزام فالأخلاق ليست مسؤولية الأسرة وحدها كما أن الاقتصاد ليس مسؤولية الحكومة وحدها إنهما يلتقيان في سلوك كل مواطن وفي كل قرار نتخذه مهما بدا بسيطًا… ولا توجد معادلة تفصل الاقتصاد عن القيم فالاقتصاد بلا قيم قد يحقق ثروة لكنه لا يصنع استقرارًا والقيم بلا إنتاج تبقى أمنيات جميلة لا تغير الواقع أما حين يلتقي العمل الجاد بالأمانة والطموح بالمسؤولية والربح بالنزاهة يصبح الاقتصاد أكثر قدرة على النمو ويصبح المجتمع أكثر قدرة على الحفاظ على هذا النمو.

فربما يكون السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه ليس كم نربح؟ بل كيف نربح؟ لأن الطريقة التي تُصنع بها الثروة هي التي تحدد ما إذا كانت ستصبح أساسًا لتنمية مستدامة أم مجرد مكاسب مؤقتة سرعان ما تتبدد.

شارك هذا المنشور