هناك لحظة فارقة في حياة كل إنسان، تشبه تمامًا تلك اللحظة التي تكتشف فيها أن الموبايل يسخن في يدك دون سبب
واضح، لتكتشف بعد فترة أن هناك تطبيقًا يعمل في الخلفية يستهلك البطارية على في الخفاء، الخصام يا صديقي هو هذا
التطبيق تحديدًا، يظل يعمل في خلفية روحك، يلتهم طاقتك وراحة بالك، ويجعلك متوترًا طوال الوقت، دون أن تجني منه أي
فائدة تُذكر.
نحن نعيش في عالم سريع ومجهد، نطارد فيه أرزاقنا وأحلامنا، ونحاول النجاة من زحمة السير وطوابير المصالح
الحكومية، وفي وسط كل هذا الصخب، نجد الوقت والجهد لنحمل في صدورنا “زعلًا قديمًا” من شخص ما، نختزن
المواقف، ونعيد شريط الذكريات المؤلمة، ونمرر سيناريوهات الانتقام النفسي في رؤوسنا قبل النوم، والسؤال البسيط الذي
يستحق أن نسأله لأنفسنا في ساعة صفاء مع مشروبنا المفضل: إلى متى هذا الخصام؟
الخصام في جوهره هو تنازل طوعي عن سلامك الداخلي، أنت لا تعاقب الطرف الآخر كما تتوهم، بل تعاقب نفسك، تسير
في الشارع وأنت تحمل حقيبة ملأى بالحجارة الثقيلة، كل حجر فيها يمثل قسوة كلمة، أو جفاء موقف، أو موقفًا لم يُفهم
كما يجب، والتخفف من هذه الحقيبة لا يحتاج إلى معجزة، بل يحتاج إلى شجاعة صغيرة، شجاعة أن تقول: “الرصيد لا
يسمح بمزيد من الخصام”.
إن الحياة أقصر بكثير من أن نقضيها في تصيد الأخطاء وتبادل قطيعة الرحم أو الجفاء مع الأصدقاء، الأيام تمشي بسرعة
الصاروخ، ووجوه المقربين تتغير، والمواقف التي كانت تبدو كوارث قبل خمس سنوات، أصبحت اليوم مجرد ذكريات نبتسم
منها، فما الداعي لأن ننتظر حتى يفوت الأوان كي نكتشف أن الخلاف لم يكن يستحق كل هذا الجدار الخرساني الذي بنيناه؟
التسامح ليس ضعفًا، وليس اعترافًا بالهزيمة في معركة وهمية، بل هو أقصى درجات الذكاء الإنساني، إنه عملية “تنظيف
داتا” لقلبك كي تستوعب أشياء أجمل، أن تصفح لا يعني بالضرورة أن تعود العلاقات كما كانت بنفس الشغف، بل يعني أن
تزيح العبء من فوق صدرك، وأن تتمنى للطرف الآخر الخير وتمشي في طريقك خفيفًا دون مرارة.
عندما نعود إلى طفولتنا، نجد أننا كنا نتشاجر في الشارع حول “كرة بلاستيك”، ونغضب لخصام صديقنا لخمس دقائق، ثم
نعود للنقل واللعب معًا وكأن شيئًا لم يكن. الأطفال يفعلون ذلك لأنهم يمتلكون فطرة نقية تُدرك غريزيًا أن اللعب والاستمتاع
بالوقت أهم بمليون مرة من الاحتفاظ بالزعل، لقد كبرنا للأسف، وتعلمنا كيف نصنع من الخلافات الصغرى أزمات
دبلوماسية، وجدرانًا عازلة تصعب إزالتها.
إن التخلي عن الخصام هو بمثابة إعطاء نفسك فرصة جديدة للتنفس، هو القبول بأن البشر يخطئون، وأننا نحن أنفسنا لسنا
ملائكة بأجنحة بيضاء، المبادرة بالسلام أو حتى بإلقاء التحية وتمنى الخير للغير تُعيد ترتيب البيت من الداخل، وتجعلك تنام
ملء جفونك دون أن تطاردك أطياف الخلافات القديمة.
هذا المعنى البديع، وهذه الدعوة الدافئة لتصفية القلوب والتخفف من أثقال الجفاء، هي الجوهر الحقيقي والرسالة الأسمى
التي يصوغها الكاتب عبد اللطيف بن هاجس الغامدي في كتابه الممتع “إلى متى الخصام؟”، كتاب يضع يدك على الوجع
بهدوء، ويأخذك خطوة بخطوة نحو عفو يرمم الروح ويصلح ما أفسدته الأيام.