إذا أُغلقت الأبواب.. فانتظر باب الله

كتبت: منى محمد

ليس أشد على الإنسان من أن يظن أن مصيره معلقٌ بيديه، وأن النجاة لا تأتي إلا من حيث يرى، فيُرهق قلبه بالقلق، ويستنزف روحه في مطاردة ما كُتب له أو ما لم يُكتب، وينسى في زحمة السعي، أن فوق كل يدٍ يدًا، وفوق كل تدبيرٍ حكمةً، وأن الله إذا أراد شيئًا هيأ له من الأسباب ما تعجز العقول عن إدراكه.

ولعل أجمل ما يتعلمه الإنسان في رحلة العمر أن يعرف متى يبذل جهده، ومتى يسلّم أمره، فالأخذ بالأسباب عبادة، أما التعلق بها وحدها فغفلة، وما إن يبلغ المرء نهاية طاقته، حتى تبدأ مساحة الإيمان، هناك، حيث لا تنفع الحيل، ولا تُجدي الحسابات، تتجلى رحمة الله، وتتكلم الأقدار بلغةٍ لا يفهمها إلا المؤمنون،

كم من أمنيةٍ طاردناها حتى أدمت أقدامنا، فلما ابتعدت عنها أيقنّا أنها لم تكن خيرًا لنا، وكم من بابٍ أغلقه الله في وجوهنا، فظنناه حرمانًا، فإذا به أعظم ألوان الرحمة، إننا نرى اللحظة، والله يرى الغاية، ونحسب التأخير عقوبة، بينما يكون في علم الله إعدادًا لنعمة أكبر، أو دفعًا لبلاءٍ أخطر.

إن الله لا يكسر قلبًا إلا ليجبره، ولا يمنع عطاءً إلا ليمنح ما هو أوسع، ولا يؤخر أمنية إلا لأن موعدها الأجمل لم يحن بعد، ولذلك، فإن الثقة بالله ليست كلمات تُقال، بل سكينة تسكن القلب، ويقين يبدد الخوف، ونورٌ يهدي صاحبه كلما أظلمت الطرق.

«اسحب يدك حين تتدخل يد الله» أي لا تنازع القدر، ولا تعترض على الحكمة، ولا تجعل قلقك أكبر من يقينك، اترك لله ما عجزت عنه، فهو سبحانه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فإذا رأيت الطرق قد أُغلقت، فتذكر أن الذي خلق الطريق قادرٌ على أن يخلق لك مخرجًا لم يخطر ببالك، وإذا أثقلتك الأيام، فاعلم أن الفرج قد يكون أقرب إليك من نبض قلبك.

أجمل ما في الإيمان أن الإنسان لا يسير في هذه الحياة وحده، بل يسير وقلبه معلقٌ بربٍ كريم، يعلم حاجته قبل أن ينطق بها، ويرى دمعته قبل أن تسقط، ويكتب له الخير وإن خالف هواه، لذلك، لا تخف من الغد، ولا تحزن على ما فات، ولا تستسلم لليأس إذا ضاقت بك السبل، فرب الغد هو رب الأمس، وهو الذي قال في كتابه الكريم: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.

فإذا جاءتك لحظة لم يعد فيها لقوتك أثر، ولا لحكمتك سبيل، فاهدأ، واسحب يدك، لا يأسًا ولا هروبًا، بل ثقة بأن يد الله إذا تولّت أمرًا، جعلت من العسر يسرًا، ومن الألم أملًا، ومن النهاية بدايةً جديدة، وحينها فقط، سيدرك قلبك أن أجمل الأقدار لم تكن تلك التي اخترتها لنفسك، بل تلك التي اختارها الله لك بمحبةٍ وحكمةٍ ورحمة.

شارك هذا المنشور