الذكاء الاصطناعي طبيب… أم مصدر لوهم اليقين؟

في منتصف الليل، حين يلف الصمت أرجاء البيت، وتتضخم أدنى نغزة في الصدر لتصبح في مخيلة المريض نذير فاجعة، لم يعد الإنسان الحديث يهرع إلى سماعة الهاتف لطلب الطبيب، ولا ينتظر بزوغ الفجر ليركض نحو العيادة.

وبدل من ذلك، تضيء شاشات الهاتف الزرقاء، وتتحرك الأنامل بلهفة على المفاتيح موجهة سؤال للذكاء الاصطناعي: ما أسباب الألم المفاجئ في الجانب الأيسر؟.

في تلك اللحظة بالذات، يولَد “طبيب السيليكون” كيان بلا قلب، لكنه يمتلك في أحشائه المظلمة ملايين المقالات الطبية، والتجارب السريرية، وقواعد البيانات. لقد تحول الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة مساعدة في المختبرات إلى مستشار صحي يقيم في جيوبنا، نُسرّ له بأوجاعنا قبل أن نعترف بها لأقرب الناس إلينا.

لا ينبغي لنا أن ننكر الجانب المضيء لهذه الظاهرة، فالذكاء الاصطناعي أتاح للجميع ولأول مرة في التاريخ ديمقراطية المعرفة الطبية، وأي شخص يعيش في قرية نائية لا تملك عيادة بسيطة، بات بمقدوره أن يقرأ تحليل دقيق لنتائج الفحوصات المخبرية في ثوانٍ، و إنها تجربة توحي بالتمكين والسيطرة على الجسد الذي طالما كان لغزاً مغلقاً لا يفك رموزها إلا أصحاب الرداء الأبيض.

لكن هذا السحر يحمل في طياته إغواء خطير، فالمرض ليس مجرد معادلة رياضية أو مدخلات ومخرجات.

وتكمن الجريمة الكبرى للذكاء الاصطناعي في الاستشارات الفردية ليس في خطأ البيانات أحيانا، بل في نبرة اليقين المضللة، و الآلة لا تقول لك “لست متأكد، دعنا نفحص الموضع بالمجس”، بل تقدم لك قائمة متناسقة الأركان، مرصعة بالطباعة الأنيقة، تلخص حزمة من الأمراض تتراوح بين مجرد عسر هضم بسيط وبين أورام نادرة.

هذا الوهم باليقين ولد ظاهرة نفسية جديدة تعرف بـ الرهاب السايبري، حيث يتنقل المريض من إجابة خوارزمية إلى أخرى، في دوامة لا تنتهي من الهلع المخيف، يغذيها تحيز الآلة نحو تقديم الاحتمالات الأكثر سوء لإخلاء مسؤوليتها القانونية.

أخطر ما في الطبيب الرقمي ليس أنه قد يخطئ في تشخيصك، بل أنه يجعلك تثق في خطئه بفضل أسلوبه البليغ والمقنع، وعلى مستوى الصحة العامة، يشكل هذا التهافت الفردي نحو الآلة زلزال يتداعى بنيانه على عدة أشكال، وهي أن الآلاف يتدفقون على أقسام الطوارئ يومياً ليس لأنهم يعانون من خطورة حقيقية، بل لأن النموذج اللغوي أخبرهم أن العرض الفلاني قد يكون نادر وخطير، وفي المقابل، قد يعطي الذكاء الاصطناعي “طمأنة خادعة” لمريض يعاني من أعراض صامتة لمرض خطير كارتفاع ضغط الدم أو المراحل الأولى من السكري، فيكتفي بالتشخيص الآلي ويهمل العيادة حتى فوات الأوان.

وتصبح العيادة ميدان للمواجهة لا للعلاج، حيث يدخل المريض مدججاً بطباعة لمحادثاته مع خوارزميات الذكاء الاصطناعي، متكئا على معرفة الآلة ومستخفا بالخبرة التراكمية والتفرس البشري للشاربين للمهنة.

الصحة العامة ليست مجرد خلو الجسد من الأمراض، بل هي حالة من الرفاه النفسي والاجتماعي، وهنا يسقط الذكاء الاصطناعي في الامتحان الأخلاقي والإنساني الكبير.

وعندما ينطق الطبيب البشري بتشخيص صعب، فإنه يزن كلماته، ويمسك بيد المريض، ويوزع الأمل بنبرة صوته، و أما الشاشة، فلا تملك يد لتمسك بها، ولا قلباً ليخفق معك، و إن تسليم المقود الشفائي للآلة يفقد الطب أعظم مقوماته على مر العصور.

ولا يمكننا إعادة المارد الرقمي إلى القمقم، فالذكاء الاصطناعي استقر في حياتنا وبات جزءاً من النسيج اليومي، والمطلوب اليوم ليس محاربة التكنولوجيا، بل إعادة توجيه الاستخدام.

ويتطلب ذلك تثقيف المجتمعات بأن الخوارزمية أداة لتنظيم الأفكار والاستعداد للزيارة الطبية، وليست البديل النهائي عنها، وإجبار شركات التكنولوجيا على وضع تحذيرات صارمة، وتضمين آليات توجيه مباشرة للمراكز الصحية في حالات الأعراض الحادة، وتعليم الممارسين الصحيين كيفية التعامل مع المريض الرقمي، واستغلال ما يجيبه الذكاء الاصطناعي لبناء جسور حوار أعمق بدل من السخرية منه.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *