الاستثمار الحقيقي يبدأ من الأبناء

كريم عبد المعين
قابلت أحد الأصدقاء، وهو طبيب، وأثناء حديثنا عن متطلبات الحياة وضغوطها، سألته سؤالًا اعتقدت أن إجابته ستكون تقليدية: ما أفضل استثمار يمكن أن يحققه الإنسان؟ توقعت أن يتحدث عن شراء عقار أو قطعة أرض أو مشروع يدر دخلًا، لكنه فاجأني بإجابة لم أتوقعها.

قال لي: "لا أمتلك عقارًا ولا قطعة أرض، لكنني أمتلك ما هو أغلى من ذلك كله… تعليم أبنائي."

حكى لي أنه يسافر يوميًا من مدينة السويس إلى القاهرة، ليس بحثًا عن عمل إضافي أو تجارة، وإنما ليمنح ابنه فرصة للحصول على دورات متخصصة في البرمجة، كما يحرص على تعليم ابنه وابنته اللغات والعلوم الحديثة.. ورغم مشقة السفر وتكلفته، لم ينظر يومًا إلى ما ينفقه باعتباره عبئًا، بل اعتبره استثمارًا سيجني ثماره مستقبلًا.

قال لي: "قد يخسر الإنسان مالًا أو عقارًا، لكن العلم يبقى مع صاحبه أينما ذهب”.

كلماته دفعتني للتفكير كثيرًا. أدركت أن الاستثمار في الأطفال ليس مجرد توفير مصروفات الدراسة، بل هو بناء إنسان قادر على صناعة مستقبله بنفسه. فالطفل في سنواته الأولى يمتلك عقلًا شديد القدرة على التعلم، يكتسب اللغات والمهارات بسرعة، ويكوّن شخصيته وعاداته التي سترافقه طوال حياته.

وأكد لي صديقي أن هذه المرحلة هي الفرصة الذهبية التي لا ينبغي أن تضيع، وأن ما يُغرس في الطفل اليوم سيؤتي ثماره غدًا. وأضاف أنه نشأ في بيئة ريفية بظروف مختلفة، ولم تكن الفرص التعليمية متاحة كما هي الآن، لذلك قرر أن يمنح أبناءه ما كان يتمناه لنفسه.

خرجت من هذا اللقاء بقناعة جديدة؛ فالعقار قد ترتفع قيمته أو تنخفض، والسيارة تستهلك مع الوقت، أما الاستثمار في تعليم الأبناء فهو الاستثمار الوحيد الذي تتزايد قيمته عامًا بعد عام، وينعكس أثره على الأسرة والمجتمع بأكمله.

لذلك، إذا أردت أن تترك لأبنائك ثروة حقيقية، فلا تجعلها أموالًا أو ممتلكات فقط، بل اجعلها علمًا ومهارة وثقافة.. فهذه هي الثروة التي لا تُسرق، ولا تفقد قيمتها، بل تزداد مع الزمن.

استثمروا في أولادكم… فهم أغلى من العقارات، وأثمن من الأراضي، وهم الاستثمار الحقيقي الذي يبقى أثره مدى الحياة.

شارك هذا المنشور