الركود.. تمهيد لطريق الكساد

بقلم ـ أحمد الحنفي

في عالم يخشى من الغلاء، يتحول "الركود" إلى سيناريو مرعب، لكن المفارقة تكمن في أن الركود ليس قضاء وقدرا، بل هو أحيانا خيار "مقصود" يصنعه البعض لكبح جماح التضخم، غير أن اللعب بنيران الركود قد يفضي إلى ما هو أخطر: الانزلاق نحو "الكساد العظيم" ذلك المصطلح الذي أثار رعب أمريكا في 1929.

فعندما يصل التضخم إلى مستويات قياسية تلتهم القوة الشرائية للمواطنين، وأمام هذا المأزق، ينقسم التضخم إلى نوعين: الأول "مدفوع بالتكلفة" نتيجة أزمات سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار المواد الخام (كالغاز والأسمدة)، والثاني "مدفوع بالطلب"، ولأن البنوك المركزية لا تملك عصا سحرية لخفض تكاليف الشحن أو إنهاء الحروب، فإنها توظف أدواتها المتاحة للتحكم في الجانب الآخر: "الطلب".

هنا يتدخل "مشرط الجراح" عبر السياسات النقدية والمالية، فحكومات تفضل المسار المالي عبر رفع الضرائب وتقليص الإنفاق العام، بينما تفضل بنوك مركزية أخرى اللجوء إلى سلاح الفائدة الشرس لسحب السيولة من الأسواق ودفع النشاط الاقتصادي نحو التبريد الإجباري.

وآلية رفع الفائدة تبدو في ظاهرها تقنية بحتة، لكن مفاعيلها على الأرض شديدة، فالشركات تحجم عن الاقتراض لتمويل التوسعات بسبب التكلفة الباهظة، مما يترجم فورا في سوق العمل إلى معادلة صفرية، ولكي تنخفض الأسعار، يجب أن يقل الطلب، ولكي يقل الطلب، يجب أن يجلس قطاع من العاملين في منازلهم بلا رواتب، كأقسى طريقة لخفض التضخم، وهو ما حدث عندما بارك “الفيدرالي الأمريكي” موجات التسريح الجماعي العنيفة التي ضربت قطاع التكنولوجيا (مثل تسريحات أمازون وشركات السيليكون فالي)، كخطوة ضرورية لمنع حدوث “دوامة الأجور والأسعار”.

وتمني الدول أنفسها بما يسمى "الهبوط السلس"؛ أي تهدئة سرعة الاقتصاد دون السقوط في بئر الانكماش، حيث يُعرف الركود تقنيا بتسجيل نمو سلبي لربعين متتاليين، غير أن الخطر الحقيقي الذي يقض مضاجع خبراء الاقتصاد ليس الركود في حد ذاته كفترة تعافٍ مؤلمة، بل هو تحول هذا الركود إلى "كساد".

الكساد ليس مجرد ركود طويل الأمد، بل هو تدهور هيكلي حاد يمتد لسنوات، مصحوبا بانهيار كامل في مستويات الائتمان، وإفلاسات مصرفية واسعة، وبطالة مزمنة تتجاوز بمراحل النسب العادية، وخطورة الركود العمدي أنه قد يطلق شرارة "حلقة مفرغة سيكولوجية ومادية"؛ فحين تبالغ البنوك المركزية في تشديد الخناق، تنهار ثقة المستهلكين والشركات تماماً في المستقبل.

وفي هذه الحالة، يتحول الحذر إلى ذعر: تحجم الشركات عن الاستثمار نهائياً حتى لو انخفضت الفائدة لاحقاً، ويتوقف المستهلكون عن الشراء ترقباً للأيام الأسوأ، هذا الانكماش في الاستهلاك يؤدي بدوره إلى مزيد من تسريح العمالة، وهبوط حاد في الأسعار والأرباح، مما يدخل الاقتصاد في "جمود انكماشي" يشبه ما حدث في ثلاثينيات القرن الماضي إبان الكساد الكبير.

وإذا فشل الجراح الاقتصادي في ضبط جرعة "الفائدة"، فإن السيناريو الأكثر رعباً هو السقوط في "الركود التضخمي" حيث تجتمع البطالة والغلاء معاً، أو الانهيار التام نحو الكساد الذي يدمر المدخرات ويصيب الإنتاج بالشلل لسنوات.

والمفارقة التاريخية المحزنة هي أن الطبقات محدودة الدخل هي من تدفع الثمن الأكبر في الحالتين، رغم أنها ليست المسؤولة عن فورة الإنفاق التي أحدثت التضخم أساساً.

إن الركود بمثابة وقود الكساد، ولتجنب الوقوع فيه يحتاج إلى خبراء اقتصاديين ذو مهارة وخبرة يجنبون الناس الوقوع في مأساة اقتصادية كبيرة.

شارك هذا المنشور