لا للعنف.. نعم لمجتمع أكثر رحمة

العنف أثر يتركه إنسان في نفس إنسان آخر، وقد يكون هذا الأثر ظاهرًا للعيان، وقد يظل حبيسًا في أعماق صاحبه سنوات طويلة، فالعنف لا يترك جرحًا في الجسد فحسب، بل قد يخلف ندبة في الروح لا تُرى، يصعب محوها مهما مر عليها الزمن.

 

إن بناء مجتمع خالٍ من العنف يتطلب مسؤولية جماعية تقوم على رفض جميع أشكال العنف، سواء كان جسديًا أو لفظيًا أو نفسيًا، فمواجهة هذه الظاهرة التي اتسعت في مجتمعنا تستلزم أن يتحلى الإنسان بالتسامح والعفو، وأن يستند إلى منظومة من القيم الدينية والأخلاقية التي تدفعه إلى احترام الآخرين، لا إيذائهم.

 

ويميل الإنسان بطبيعته إلى الأمان والاستقرار أكثر من ميله إلى الصراع، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا أصبح العنف حاضرًا في كثير من تفاصيل حياتنا؟

 

لا شك أن العنف سلوك مرفوض ولا يمكن تبريره، غير أن البحث عن أسبابه يظل ضرورة لفهم الظاهرة ومعالجتها، ولعل الضغوط الاقتصادية تأتي في مقدمة هذه الأسباب، إذ تدفع بعض الأشخاص إلى فقدان السيطرة على انفعالاتهم، فيرتكبون أفعالًا لحظية تترك وراءها ندمًا دائمًا، وتكسر قلوب من تعرضوا لها.

 

لكن هذا التفسير لا يكفي وحده، فهناك من يعيشون في ظروف مادية مستقرة، ومع ذلك يمارسون العنف، وهو ما يشير إلى وجود عوامل أخرى، مثل الخلل التربوي، وضعف الوازع الديني، وتراجع الوعي، وغياب ثقافة الحوار واحترام الاختلاف.

 

وإذا لم تكن ضيق المعيشة أو الوفرة المادية مبررًا للعنف، فإن هناك تغيرات طرأت على المجتمع ساهمت في انتشاره، فقد فرضت وتيرة الحياة السريعة نفسها على الجميع، وتحول الإنسان إلى آلة ممسكًا بآلة أخرى، سواء كانت هاتفًا محمولًا أو شاشة لا تكاد تفارقه، فأصبح أكثر انشغالًا وأقل تواصلًا مع من حوله، وهو ما انعكس على قدرته على احتواء غضبه والتعامل بهدوء مع الآخرين.

 

ولم يعد الإنسان كما كان قبل سنوات، حين كان يجد وقتًا للتأمل، والجلوس مع أسرته، وزيارة أقاربه، وتعزيز قيم المودة وصلة الرحم.

 

ومع تراجع هذه الروابط الإنسانية، ازدادت القسوة في التعامل، وأصبح العنف حاضرًا في مواقف كان يمكن أن تُحل بكلمة طيبة أو حوار هادئ.

 

ولا تتوقف آثار العنف عند لحظة وقوعه، بل تمتد لتصيب الأفراد والأسر والمجتمع بأكمله، فهو قد يؤدي إلى تفكك الأسرة بسبب العنف الأسري، ويسهم في زيادة معدلات الجريمة والاعتداءات، وينشر الخوف ويضعف الشعور بالأمان، كما يزعزع الثقة بين الناس.

 

وقد يقود بعض ضحاياه إلى الاكتئاب أو القلق أو العزلة، بينما ينشأ بعض الأطفال الذين يتعرضون للعنف أو يشاهدونه أكثر ميلًا إلى ممارسته عندما يكبرون، فتستمر دائرة العنف جيلاً بعد جيل.

 

إن مواجهة العنف لا تعتمد على تغليظ العقوبات وحده، رغم أهميتها في ردع المعتدين، وإنما تحتاج أيضًا إلى إحياء قيم الرحمة والاحترام والتسامح، وإلى الاعتراف بأن العنف أصبح مشكلة مجتمعية تستحق المواجهة بكل جدية.

 

كما أن الإصغاء إلى الآخرين واحتواء مشكلاتهم يمثلان أحد أهم السبل لبناء مجتمع أكثر تماسكًا، لأن كثيرًا من الأزمات كان يمكن احتواؤها لو وجد أصحابها من يستمع إليهم.

 

ومن هنا تبرز أهمية تكثيف حملات التوعية عبر الدراما والسينما والمسرح والإعلام، إلى جانب دور المؤسسات التعليمية ورجال الدين في ترسيخ ثقافة الحوار ونبذ العنف.

كما يمكن لوزارة التضامن الاجتماعي، والمجالس القومية، ومنظمات المجتمع المدني، والأحزاب السياسية، إطلاق مبادرات مجتمعية واسعة تستهدف النزول إلى المواطنين، والاستماع إلى مشكلاتهم، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي لهم، فالكلمة الطيبة قد تمنع جريمة، والاستماع قد ينقذ إنسانًا من الانهيار.

 

إن القضاء على العنف لا يبدأ بالعقوبات وحدها، بل يبدأ بإعادة بناء جسور الرحمة والتفاهم والثقة بين الناس، وترسيخ قيم الاحترام والحوار داخل الأسرة والمدرسة والشارع ومكان العمل، حتى لا نترك في نفوس بعضنا البعض جروحًا قد تظل باقية لسنوات طويلة.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *