«فقولا له قولا لينا»

قال الله تعالى: «اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري * اذهبا إلى فرعون إنه طغى * فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى».

هذه الآيات تعلمنا درسا عظيما في أسلوب الدعوة إلى الله، ففرعون كان من أشد الناس ظلما وطغيانا، ومع ذلك أمر الله تعالى نبيه موسى وأخاه هارون أن يخاطباه بلين ورحمة، لا بعنف أو قسوة، وهذا يدل على أن الرفق ليس ضعفا، بل هو منهج رباني يفتح القلوب ويقرب النفوس من الحق.

فالدعوة بكلام طيب رقيق، يحمل الرحمة وحسن النصح، لأن الكلمة اللينة أبلغ أثرا، وأقرب إلى قبول النفس من الشدة والغلظة.

ولهذا قال الله تعالى: «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن»، فالحكمة وحسن الأسلوب من أهم أسباب نجاح الدعوة، لأن الناس تقبل من يحترمها ويخاطبها بلطف أكثر ممن يقسو عليها.

وروى العلماء أن الخليفة المأمون قال لرجل وعظه بعنف: ارفق، فإن الله بعث من هو خير منك إلى من هو شر مني، وأمره أن يقول له قولا لينا، وهي كلمة تبين أن الرفق مطلوب حتى عند نصح أصحاب السلطان أو من اشتد خطؤهم.

وعندما نتأمل دعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام لأبيه نجد نموذجا رائعا في حسن الخطاب، فقد كرر قوله: «يا أبتِ» في كل نصيحة، يخاطبه بحب واحترام، مع أنه كان يدعوه إلى ترك عبادة الأصنام، فجمع بين وضوح الحق ولين الأسلوب، وبين قوة الحجة ورقة الكلمة.

ثم جاءت سيرة نبينا محمد «صلى الله عليه وسلم» لتكون التطبيق العملي لهذا المنهج، فقد كان يعامل الناس بالرحمة، ويعالج أخطاءهم بالحكمة، ويختار لكل موقف ما يناسبه من القول والفعل، فلم يكن يقسو إلا في موضعه، وكان يغلب جانب الرحمة والرفق، ولذلك أحبه الناس، ودخلوا في دين الله أفواجا.

والحقيقة أن كثيرا من القلوب لا يصدها الحق، وإنما يصدها الأسلوب الخاطئ، فكم من كلمة قاسية أغلقت بابا للخير، وكم من كلمة طيبة أعادت إنسانا إلى الطريق الصحيح، ولهذا كان الداعية الناجح هو من يجمع بين الثبات على الحق، وحسن عرضه للناس.

واليوم نحن في حاجة إلى هذا الخلق أكثر من أي وقت مضى، سواء في الدعوة، أو داخل الأسرة، أو في المدارس، أو في بيئة العمل، أو حتى في نقاشاتنا اليومية، فالرفق لا يعني التنازل عن المبادئ، وإنما يعني أن نقدم الحق بأفضل أسلوب، وأن نجعل الرحمة والحكمة عنوانا لكلامنا.

وقد لخص النبي «صلى الله عليه وسلم» هذا المنهج كله بقوله: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه»، فالرفق يزين الدعوة، ويقوي أثرها، ويصلح العلاقات بين الناس، وهو خلق الأنبياء، وطريق المصلحين، وسبب من أعظم أسباب نجاح الدعوة والإصلاح.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *