بقلم؛احمد الحنفي
حين يتبادر إلى أذهاننا مصطلح "الثروة"، تذهب العقول نحو آبار النفط، أو سبائك الذهب المخزنة في خزائن البنوك المركزية، لكن في عمق المشهد العالمي الراهن، ثمة تحول صامت يغير قواعد اللعبة؛ تحول ينقل مجتمعات بأكملها من "اقتصاد الأرض" القائم على موارد ناضبة، إلى "اقتصاد الأفكار" الذي لا ينضب، والذي لا يعترف بالحدود الجغرافية أو بفقر الطبيعة، بل يحول الأفكار المجرّدة والمعلومات الذكية إلى تدفقات مالية تفوق أحيانا ميزانيات دول تعتمد على الثروات التقليدية.
في الاقتصاد التقليدي، تحكمنا دائما "فكرة الندرة"؛ فالمصنع الذي ينتج سيارات أو الشركة التي تستخرج براميل نفط يعلم أن موارده محدودة، أما في عالم المعرفة، فالقاعدة مقلوبة وتخضع لـ "منطق الوفرة"، الفكرة أو المعلومة، حين تشاركها مع الآخرين، لا تنقص من رصيدك، بل على العكس تتلاقح مع عقول جديدة، فتتضاعف قيمتها، وتتولد منها حلول وابتكارات أعمق، ونحن هنا لا نبيع منتجا، بل نبيع "حلا ذكيا" أو "برمجية" أو "براءة اختراع" يمكن نسخها وبيعها لملايين البشر دون أن تفقد قيمتها أو تنفد أصولها.
ووفقا للأدبيات الاقتصادية الحديثة، وتحديداً ما ترسمه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن هذا الاقتصاد لا يتشكل بالصدفة، بل يقوم على قطاعات حيوية نعيشها يوميا؛ من الهواتف الذكية التي لا تفارق أيدينا، إلى المنصات التعليمية الرقمية، وشبكات الاتصالات العملاقة.
لكن الاستثمار الحقيقي في هذه المنظومة لا يذهب للمعدات أو للمباني، بل يتجه مباشرة إلى ثلاثة محاور وهم الابتكار المستمر كوقود دائم للمنافسة، والتعليم النوعي الذي يعلم "كيف نفكر" لا "ماذا نحفظ"، والتدريب والتطوير الدائم لمواكبة قطار التكنولوجيا السريع.
والهدف النهائي من كل هذا ليس مجرد مواكبة العصر، بل خلق ما يسمى بـ"رأس المال البشري"؛ أي بناء إنسان يمتلك مهارة تساوي في قيمتها السوقية وزنها ذهبا.
وفي هذا السياق يشير الخبير الاقتصادي الدكتور إيان برينكلي إلى أن نجاح أي مجتمع في هذا التحول يتطلب إعادة هيكلة شاملة للأولويات؛ حيث تصبح مهارات الأفراد وعقولهم هي "الميزة التنافسية الأولى" للدولة، وتتحول الاستثمارات الضخمة صوب قاعات البحث العلمي والتطوير، لتتغلغل التكنولوجيا في أدق تفاصيل الإنتاج.
هذه الاستراتيجية تمنح قبلة الحياة للدول التي ظلت لعقود تعاني من شح الموارد الطبيعية، وربما تكون تجارب دول مثل “سنغافورة وكوريا الجنوبية” هي الدليل الدامغ على صدق هذه النظرية؛ فالدولتان اللتان خرجتا من حروب وأزمات بفقر مدقع في الموارد الطبيعية، لم تلتفتا للندب والنواح، بل راهنتا بكل ما تملكان على "عقول شعوبهما"، والنتيجة اليوم، قوى اقتصادية وتكنولوجية عظمى تحرك الأسواق العالمية وتتحكم ببوصلة المستقبل.
إن اقتصاد المعرفة ليس ترفا يُكتب في الكتب والمجلات الأكاديمية، بل خيار حتمي لكل دولة تبحث عن مكان تحت شمس المستقبل، فالأرض قد تبخل بمائها ونفطها، لكن العقل البشري، متى ما وجد البيئة الصالحة والتعليم الحقيقي، كفيلٌ بأن يصنع من الفكرة البسيطة ثروة مستدامة تتوارثها الأجيال.