بقلم : محمد طلعت
في إحدى زوايا المنزل، كان طفل صغير يقضي ساعات طويلة في تفكيك ألعابه وإعادة تركيبها، ظن البعض أنها مجرد فوضى طفولية، لكن والدته رأت في الأمر شغفًا بالهندسة والاكتشاف، لم تعاقبه، بل وفرت له أدوات بسيطة واصطحبته إلى ورش تعليمية تناسب عمره، بعد سنوات، تحول ذلك الفضول إلى موهبة حقيقية، وأصبح الطفل يحصد الجوائز في مسابقات الابتكار.. هذه القصة تتكرر بأشكال مختلفة داخل آلاف البيوت، لكنها تبدأ دائمًا من أسرة آمنت بأن لكل طفل موهبة تستحق أن تُكتشف.
الأسرة هي المدرسة الأولى التي يتشكل فيها وعي الطفل وتتبلور شخصيته. وفي السنوات الأولى من العمر تظهر مؤشرات كثيرة قد تبدو عادية، لكنها في الحقيقة بوابات لمواهب كامنة؛ فقد يبرع طفل في الرسم، وآخر في حل المشكلات، وثالث في الإلقاء أو البرمجة أو الرياضة. هنا يأتي الدور الحقيقي للوالدين، ليس في توجيه الأبناء نحو ما يرغبون هم، بل في ملاحظة ميولهم الطبيعية ومنحها الفرصة للنمو.
ويؤكد المتخصصون في التربية أن اكتشاف الموهبة في سن مبكرة يمنح الطفل وقتًا أطول للتدريب والتطوير، كما يعزز ثقته بنفسه ويزيد دافعيته للتعلم، فالطفل الذي يشعر بأن أسرته تؤمن بقدراته يصبح أكثر استعدادًا للمثابرة وتحمل التحديات، بينما قد يؤدي تجاهل الموهبة أو التقليل منها إلى فقدانها مع مرور الوقت.
ولا يقتصر دور الأسرة على الاكتشاف فقط، بل يمتد إلى الرعاية المستمرة. فالدعم المعنوي، وتوفير البيئة المناسبة، وإتاحة الفرص للمشاركة في الأنشطة والمسابقات، والتواصل مع المدرسة والمدربين، كلها عناصر تساعد على تحويل الموهبة إلى مهارة راسخة يمكن أن تصبح مستقبلًا مشروعًا مهنيًا أو إنجازًا علميًا أو إبداعيًا.
ورغم ذلك، تواجه بعض الأسر تحديات عديدة، منها الانشغال بضغوط الحياة، أو الاعتقاد بأن التفوق الدراسي وحده هو معيار النجاح، أو مقارنة الأبناء بغيرهم. هذه الممارسات قد تحجب عن الأسرة رؤية القدرات الحقيقية لأطفالها. فليس كل مبدع متفوقًا في جميع المواد الدراسية، وليس كل طفل يحتاج إلى المسار نفسه حتى يحقق النجاح.
وبالبحث تجد أن المجتمعات المتقدمة لا تبني نهضتها بالموارد المادية وحدها، وإنما تستثمر في عقول أبنائها منذ الصغر. وكل موهبة يتم اكتشافها ورعايتها تمثل لبنة جديدة في بناء مجتمع أكثر ابتكارًا وإنتاجًا وقدرة على المنافسة. فالطبيب، والمهندس، والفنان، والعالم، ورائد الأعمال، جميعهم كانوا يومًا أطفالًا وجدوا من يلاحظ قدراتهم ويمنحهم الثقة.