شهدت القاهرة حدثًا فريدًا، في ظل ما تشهده البلاد من تطورا في مختلف المجالات، رغم بعض جوانب التقصير، وهو استلزم عقد منتدى وطني للمصارحة وإبراز إنجازات الدولة وبحث نقاط الضعف وسبل التغلب عليها.
في هذا الصدد، تشهد العاصمة الإدارية الجديدة فاعليات منتدى مصر 2026، خلال الفترة من 19 إلى 24 أكتوبر الجاري، بتشريف الرئيس عبدالفتاح السيسي رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الوزراء، وقادة كافة مؤسسات الدولة، والقطاع الخاص والمواطنين.
ويتضح من خلال فعاليات المنتدى، أن قوة الدول لا تُقاس بما تمتلكه من موارد وإمكانات فقط، بل بقدرتها على تحويل هذه الإمكانات إلى فرص حقيقية تفتح الطريق أمام أجيالها الجديدة، فالشباب ليسوا مجرد فئة عمرية تمثل جزءًا من المجتمع، وإنما هم طاقة العمل والإنتاج والابتكار، والقوة القادرة على تغيير الواقع وصناعة مستقبل أكثر قدرة على مواجهة التحديات.
من هنا تكتسب مناقشات منتدى مصر 2026 أهمية خاصة، لا سيما في ظل ما يطرحه من قضايا ترتبط ببناء الإنسان، وتطوير التعليم، وتأهيل الشباب، ودور الرياضة والثقافة في تشكيل الوعي وتعزيز المشاركة المجتمعية، فهذه الملفات لا تتعلق بقطاع بعينه، وإنما ترتبط بمستقبل التنمية في مصر وقدرتها على بناء جيل يمتلك المعرفة والمهارة والثقة في قدرته على التأثير.
كما إن إتاحة الفرص تمثل نقطة البداية، لكنها لا تضمن وحدها تحقيق النتائج، فالشاب يحتاج إلى تعليم جيد، وتدريب عملي، وإرشاد يساعده على اكتشاف قدراته، وبيئة تسمح له بالتجربة والتعلم من الأخطاء، إلى جانب مسارات واضحة يمكن من خلالها الانتقال من امتلاك الفكرة إلى تنفيذها وتحقيق أثر ملموس.
وتبرز أهمية هذا الطرح في جلسة المنتدى”الشباب والرياضة: من إتاحة الفرص إلى صناعة التأثير”، التي تتناول اكتشاف المواهب ورعايتها، والتدريب والتأهيل، والإبداع والابتكار، والمشاركة الشبابية، وسبل قياس أثر البرامج والسياسات الموجهة إلى الشباب.
فالمطلوب ليس فقط زيادة عدد المبادرات أو البرامج، وإنما التأكد من قدرتها على الوصول إلى الشباب في مختلف المحافظات والبيئات الاجتماعية، وألا تظل الفرص الأكثر جودة متاحة لمن يمتلكون بالفعل الموارد والعلاقات والقدرة على الوصول إليها.
لا يمكن الحديث عن تطوير الشباب دون إعادة النظر في العلاقة بين التعليم واحتياجات المستقبل، فالحصول على شهادة جامعية لا ينبغي أن يكون نهاية الرحلة التعليمية، كما أن دخول سوق العمل لا يجب أن يتوقف على ما حصّله الفرد خلال سنوات الدراسة فقط.
التغيرات المتسارعة في التكنولوجيا والاقتصاد تفرض أهمية تنمية مهارات التفكير النقدي، وحل المشكلات، والعمل الجماعي، والتواصل، والتعلم المستمر، إلى جانب المهارات الرقمية والمهنية التي تتطلبها الوظائف الجديدة.
وهنا تبرز ضرورة تعزيز الصلة بين المدارس والجامعات ومؤسسات التدريب وسوق العمل، بحيث لا تظل المناهج بعيدة عن الواقع العملي، ولا يجد الخريج نفسه أمام فجوة كبيرة بين ما تعلمه وما تتطلبه الوظيفة التي يسعى إليها.
وتحتاج التنمية كذلك إلى الانتقال بالشباب من موقع المتلقي للبرامج والسياسات إلى موقع الشريك في صياغتها وتقييم نتائجها، فالشباب أكثر قدرة على التعبير عن التحديات التي يواجهونها في التعليم والعمل والتدريب، لكن الاستماع إليهم يجب ألا يتوقف عند حدود الحوار، بل ينبغي أن يمتد إلى الاستفادة من مقترحاتهم ومتابعة ما يتحقق منها.







