قراءة في كتاب مفارقة الاختيار — The Paradox of Choice—بارى شوارتز

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

في عالم تتسع فيه الأسواق، وتتعدد فيه الفرص، وتتزاحم أمام الإنسان البدائل في كل اتجاه، يبدو الاختيار علامة على الحرية، ودليلاً على التقدم، ووسيلة للوصول إلى حياة أكثر ملاءمة للرغبات والاحتياجات، غير أن عالم النفس الأمريكي باري شوارتز يطرح في كتابه رؤية تتجاوز هذه الصورة المألوفة، إذ يناقش كيف يمكن لكثرة الخيارات، التي تبدو في ظاهرها نعمة لا تنضب، أن تتحول إلى عبء نفسي يثقل التفكير، ويؤجل الحسم، ويضعف القدرة على الاستمتاع بما نملكه بالفعل.

لا ينطلق المؤلف من رفض الحرية أو الدعوة إلى تقليص الفرص، وإنما من التساؤل عن الحدود التي تتحول عندها الوفرة إلى مصدر للارتباك، فالإنسان حين يجد أمامه بدائل محدودة يستطيع المقارنة بينها واتخاذ القرار في وقت معقول، أما حين تتضاعف الخيارات وتتداخل تفاصيلها، فإنه يصبح مطالبا ببذل جهد أكبر لفهم الفروق بينها، وتقدير منافعها، وتوقع نتائجها، وقد يجد نفسه في نهاية المطاف أقل قدرة على الاختيار، رغم أن الفرص المتاحة أمامه أصبحت أكثر من أي وقت مضى.

تتجلى هذه المفارقة بوضوح في الحياة الاستهلاكية، حيث يستطيع الفرد الاختيار بين عشرات الهواتف، ومئات الملابس، وأنواع متعددة من الخدمات والمنتجات التي تتشابه في جوانب وتختلف في أخرى، وقد يبدو ذلك دليلاً على أن السوق أصبح أكثر استجابة لاحتياجات المستهلك، لكن تعدد البدائل يفرض عليه أيضاً عبئا من المقارنة والتقييم، إذ لم يعد السؤال مقتصرا على شراء ما يحتاج إليه، بل أصبح متعلقاً بالعثور على المنتج الأفضل بين عدد كبير من المنتجات المتقاربة.

فمن يبحث عن هاتف جديد قد يقضي ساعات في مقارنة الكاميرا والبطارية والسعر والذاكرة، ثم يكتشف أن كل اختيار يحمل ميزة ويفتقد أخرى، وكلما اقترب من اتخاذ القرار ظهرت مراجعة جديدة أو إصدار أحدث أو عرض أكثر جاذبية، فيعود إلى نقطة البداية، وكأن الوصول إلى القرار الصحيح يستلزم معرفة جميع البدائل، ومراجعة جميع التفاصيل، واستبعاد كل احتمال يمكن أن يكون أفضل.

وتتجاوز تكلفة هذه العملية الأموال التي ينفقها المستهلك، لتشمل الوقت والجهد والانشغال الذهني، فبدلاً من أن تساعده الوفرة على تلبية احتياجاته، قد تجعله أكثر تردداً وأقل رضا، وهنا تظهر المفارقة التي يناقشها شوارتز، إذ لا يعني اتساع مساحة الاختيار بالضرورة اتساع مساحة السعادة، لأن كثرة الأبواب المفتوحة قد تجعل الإنسان عاجزاً عن تحديد الباب الذي يريد الدخول منه.

من الأفكار المحورية في الكتاب التمييز بين من يبحث عن اختيار مناسب يحقق احتياجاته، ومن يسعى إلى العثور على الاختيار الأفضل على الإطلاق، فهناك من يحدد ما يريده، ثم يتوقف عن البحث عندما يجد ما يحقق شروطه الأساسية، وهناك من يواصل المقارنة أملا في الوصول إلى البديل الذي يتفوق على جميع البدائل الأخرى.

ولا يعني هذا التمييز أن الطموح خطأ أو أن الاكتفاء هو الحل في كل المواقف، فبعض القرارات تحتاج بالفعل إلى بحث دقيق ومقارنة واسعة، خاصة عندما تتعلق بالصحة أو التعليم أو الاستثمار أو المستقبل المهني، لكن المشكلة تظهر عندما يصبح الوصول إلى الأفضل شرطا دائما للرضا، وعندما يفقد الإنسان قدرته على قبول الاختيار الجيد لأنه لا يستطيع التأكد من أنه الاختيار الأمثل.

فالشخص الذي يحصل على وظيفة مناسبة قد يظل منشغلا بوظيفة أخرى لم يخترها، والمستهلك الذي يشتري منتجا جيدا قد يندم لأنه لم ينتظر عرضاً أفضل، والإنسان الذي يحقق هدفاً مهماً قد يقلل من قيمة إنجازه لأنه يتخيل نتائج كان يمكن أن يحققها في مسار مختلف، وهكذا يتحول الطموح من قوة تدفع إلى التقدم إلى دائرة من المقارنة لا تمنح صاحبها فرصة كافية للشعور بالإنجاز.

لا ينتهي تأثير الاختيارات عند لحظة اتخاذ القرار، بل قد يستمر بعدها من خلال التفكير في الاحتمالات التي استبعدناها، فالإنسان لا يقارن دائما ما حصل عليه بما كان يحتاج إليه، بل يقارنه أيضا بما كان يمكن أن يحصل عليه لو اتخذ قرارا آخر، وبقدر ما تتعدد البدائل، تتعدد الصور التي يستطيع العقل تخيلها لحياة مختلفة ربما تبدو أكثر إغراءً من الحياة التي يعيشها.

وهنا يتحول البديل غير المختار إلى منافس دائم للواقع، ويصبح الحاضر أقل جاذبية كلما ازدادت قدرة الإنسان على تخيل احتمالات أخرى، وقد يفسد ذلك شعوره بالرضا حتى عندما تكون النتيجة جيدة، لأنه يظل منشغلا بما فاته بدلا من تقدير ما تحقق له.

ويرتبط بذلك ارتفاع سقف التوقعات، فحين يعتقد الإنسان أن كثرة الخيارات تمنحه القدرة على الوصول إلى النتيجة المثالية، يصبح أكثر ميلاً إلى تحميل نفسه مسؤولية أي نقص في النتيجة، وإذا لم يشعر بالسعادة التي انتظرها، فقد يلوم نفسه لأنه لم يبحث بما يكفي، أو لأنه لم ينتبه إلى تفصيل كان من الممكن أن يغير قراره.

لكن الواقع أكثر تعقيدا من هذه الصورة، فالقرارات تُتخذ في ظل معلومات محدودة وظروف متغيرة، ولا يمكن للإنسان أن يجرب جميع الاحتمالات قبل أن يختار أحدها، كما لا يستطيع أن يضمن النتائج مهما طال البحث، ولذلك فإن الاعتقاد بإمكانية الوصول إلى اختيار كامل قد يحول الخطأ الطبيعي إلى مصدر للوم الذات، ويجعل الرضا مؤجلاً إلى لحظة مثالية قد لا تأتي أبدا.

يناقش شوارتز جانبا آخر من المفارقة، يتمثل في أن زيادة الخيارات قد تجعل الإنسان يشعر بمسؤولية أكبر عن النتائج التي يصل إليها، فحين تكون أمامه فرص كثيرة، قد يعتقد أن نجاحه أو إخفاقه يتوقفان بالكامل على جودة قراره، وأن أي نتيجة غير مرضية كان يمكن تجنبها لو اختار بصورة أفضل.

وتظهر هذه الفكرة في اختيار المهنة أو المسار التعليمي، إذ قد يظل الفرد يبحث عن الطريق الذي يجمع بين الدخل الجيد والراحة والاستقرار وتحقيق الذات، لكنه يكتشف أن كل مسار يحمل مزايا وتنازلات، وأن محاولة الجمع بين جميع المميزات قد تجعله عاجزا عن اتخاذ أي خطوة.

فالحرية لا تعني القدرة على ضمان النتائج، وإنما القدرة على اتخاذ القرار وتحمل تبعاته في ضوء المعلومات المتاحة، كما أن المسؤولية لا تعني أن الإنسان يتحكم في جميع الظروف، لأن الحياة تظل مفتوحة على عوامل لا يمكن التنبؤ بها أو السيطرة عليها، ومن ثم فإن النضج في الاختيار يبدأ حين يدرك الفرد حدود قدرته، ويفصل بين ما يستطيع تغييره وما يتعين عليه تقبله.

لا يدعو الكتاب إلى رفض الخيارات أو الاكتفاء بما هو متاح دون تفكير، بل يلفت الانتباه إلى ضرورة وضع حدود واضحة لعملية المقارنة، فبدلاً من البحث المفتوح الذي لا ينتهي، يستطيع الإنسان تحديد احتياجاته الأساسية قبل البدء، واختيار المعايير التي تستحق الاهتمام، ثم التوقف عندما يجد بديلا مناسبا يحقق أهدافه.

وتساعد هذه الطريقة على تقليل التشتت، لأنها تجعل القرار مرتبطا بما يحتاج إليه الفرد فعلا، لا بكل ما يمكن أن تقدمه الأسواق أو الظروف المحيطة به، كما تمنحه فرصة لتوجيه وقته وجهده نحو ما يضيف قيمة حقيقية إلى حياته، بدلا من استنزافهما في فروق صغيرة لا تغير النتيجة بصورة جوهرية.

ويحتاج الإنسان كذلك إلى إعادة النظر في علاقته بما اختاره، فبعد اتخاذ القرار يمكنه أن يمنح التجربة فرصة للنمو، وأن يركز على الاستفادة من مزاياها ومعالجة جوانب القصور فيها، بدلا من العودة المستمرة إلى البدائل التي تركها، ولا يعني ذلك تجاهل الأخطاء أو الامتناع عن تغيير المسار عندما تقتضي الظروف، وإنما التمييز بين المراجعة التي تقود إلى التعلم، والمقارنة التي لا تنتج سوى الندم.

وهكذا يعيد شوارتز طرح مفهوم السعادة بعيداً عن فكرة امتلاك أفضل الأشياء في جميع الأوقات، فالسعادة لا تتحدد فقط بجودة ما نختاره، بل تتأثر أيضا بقدرتنا على تقدير ما حصلنا عليه، وقبول ما يصاحب القرارات من تنازلات، والتوقف عن مطالبة الحياة بأن تمنحنا ضمانات كاملة قبل أن نخطو إلى الأمام.

الكلمة الأخيرة

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة، إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه، وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: مفارقة الاختيار

العنوان باللغة الإنجليزية: The Paradox of Choice

المؤلف: باري شوارتز — Barry Schwartz

دار النشر: Harper Perennial

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة: تختلف بحسب النسخة

سنة النشر: 2004

عدد الصفحات: نحو 304 صفحات في الطبعة الإنجليزية الأصلية، وقد يختلف العدد بحسب الطبعة

ISBN: 978-0-06-000569-6

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *