تمهيد
كتاب لا يتجاوز عدد صفحاته مئة صفحة، تقرؤه في جلسة واحدة بأقل من ساعة، ومع ذلك بيع منه نحو ثلاثين مليون نسخة بسبع وثلاثين لغة، وبقي على قوائم الأكثر مبيعاً في نيويورك تايمز قرابة خمس سنوات. لا شخصيات بشرية معقدة فيه ولا نظريات مرهقة، بل أربع كائنات صغيرة تعيش في متاهة وتبحث عن قطعة جبن. وفي هذه الحكاية البسيطة وجد ملايين القراء مرآة لحياتهم، من الموظف الذي يخشى فقدان وظيفته إلى الإنسان الذي يتشبث بعلاقة انتهت.
ماذا يريد الكاتب؟
يريد سبنسر جونسون، وهو طبيب وكاتب أمريكي رحل عام 2017، أن يقول شيئاً بسيطاً للغاية: التغيير سيحدث حتى لو لم نرده، والسؤال الوحيد الذي نملك الإجابة عنه هو كيف سنتصرف حين يحدث. ولذلك لم يكتب بحثاً أو دراسة، بل اختار قالب الحكاية الرمزية، لأن الإنسان يتقبل الفكرة المرتبطة بقصة أسهل بكثير مما يتقبلها في محاضرة. والجبن في الحكاية ليس طعاماً، بل رمز لكل ما نريده في الحياة، من وظيفة جيدة وراحة مالية وعلاقة سليمة إلى مكانة وصحة وطمأنينة.
لماذا هذا الكتاب؟
صدر الكتاب عام 1998 في فترة كانت الشركات تمر فيها بتحولات كبيرة، من إعادة هيكلة وتقنيات جديدة وتسريحات للعاملين، وكان الناس يبحثون عن لغة بسيطة تساعدهم على فهم ما يجري. وقد قدّم للكتاب كين بلانشارد، مؤلف “مدير الدقيقة الواحدة”، وهو ما أعطاه قبولاً سريعاً في عالم الإدارة والتدريب. وسرعان ما تحول إلى هدية شائعة في الشركات، وإلى مادة تُعرض في ورش العمل، حتى أُسست شركة خاصة للبرامج والخدمات المرتبطة به.
يلخص هذا الكتاب عدة أمور:
- أربع شخصيات تعيش في متاهة: الفأران “سنيف” و”سكوري” ببساطتهما وغريزتهما، والقزمان “هيم” و”هاو” اللذان يشبهان البشر في تفكيرهما ومخاوفهما.
- يجد الأربعة مخزوناً هائلاً من الجبن في “محطة الجبن سي”، فيتحرك الفأران بوعي وانتباه، بينما يستقر القزمان ويتعاملان مع الجبن كأنه حق دائم لا يزول.
- حين ينفد الجبن، يخرج الفأران فوراً للبحث عن بديل دون شكوى، أما “هيم” فيغضب ويسأل من حرّك جبنه ويرفض مغادرة المكان.
- “هاو” يتردد طويلاً ثم يتغلب على خوفه ويدخل المتاهة، ويترك على الجدران عبارات تلخص ما يتعلمه أملاً أن يتبعه صديقه.
- يعثر هاو على جبن جديد في “محطة إن”، ويكتشف أن الخوف كان أسوأ من الواقع الذي كان يخشاه.
- تنتهي القصة والنهاية مفتوحة: هيم لا يزال متشبثاً بالمحطة القديمة، وهاو يأمل أن يتحرك صديقه يوماً.
- من الدروس المتكررة: انتبه لعلامات التغيير مبكراً، ولا تتعلق بالجبن القديم، وكن مستعداً لأن تتحرك حتى وأنت خائف.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب من يمر بمرحلة تغيير غير مرغوب فيها، كفقدان عمل أو انتقال أو انتهاء علاقة، ويحتاج إلى عبارة بسيطة تعيد له توازنه. ويناسب المدراء الراغبين في فتح حوار مع فرقهم حول التغيير بلغة ودية بعيدة عن الخطب الجافة. كما يناسب من لا يحب كتب التنمية الذاتية الطويلة ويريد قراءة سريعة، ويصلح هدية صغيرة يمكن مناقشتها بعد قراءتها.
مميزات الكتاب:
أولى مزاياه قصره الشديد وسهولة لغته، فلا يحتاج القارئ إلى خلفية أو جهد كبير ليصل إلى الفكرة. وثانيتها أن الشخصيات الأربع تمثل أنماطاً نعرفها في حياتنا: من يلتقط الإشارة مبكراً، ومن يتحرك بسرعة، ومن ينكر، ومن يتردد ثم يقرر. ولذلك يجد كل قارئ نفسه في واحدة منها، وهو ما يجعل الحوار حول الكتاب سهلاً وممتعاً. وثالثتها العبارات القصيرة التي يتركها “هاو” على الجدران، فهي سهلة الحفظ والاقتباس، وتتحول إلى شعارات صغيرة يرددها القراء.
قراءة صحفية:
أجمل ما في هذه الحكاية أنها تفصل بين التغيير وبين الألم الذي نصنعه نحن حوله. فالجبن اختفى في الحالتين، لكن الفأرين تعاملا مع الأمر كحقيقة، أما القزمان فحوّلاه إلى مظلمة. وهذه ملاحظة إنسانية دقيقة، فكثير من معاناتنا لا تأتي من الحدث نفسه، بل من إصرارنا على أن الواقع لا يحق له أن يتغير. كما أن شخصية “هاو” أصدق من غيرها، لأنها لا تقفز إلى الشجاعة فجأة، بل تمر بالإنكار والخوف والتردد ثم تتحرك خطوة صغيرة، وهذا ما يحدث للبشر فعلاً.
لكن الكتاب لم يسلم من انتقادات جادة. فقد رأى بعض القراء أن الحكاية مبسطة إلى حد التبسيط المخل، وأن جملة “تقبّل التغيير” قد تتحول في الشركات إلى وسيلة لإسكات العاملين، فيُطلب منهم أن يتكيفوا مع قرارات الإدارة دون سؤال عمن حرّك الجبن أصلاً ولماذا. وسخر آخرون من كون الحكاية تعامل البشر كفئران في متاهة لا يملكون تغييرها. وعبّر أحد القراء بسخرية في مراجعته عن أن الكتاب أخذ منه خمساً وأربعين دقيقة تمنى لو استردها، وهي عبارة تلخص موقف المتشككين من قصر الكتاب وبساطة فكرته مقارنة بالضجة التي أحاطت به. وفي هذه الانتقادات شيء من الحقيقة، فالحكاية تركز على سلوك الفرد وتتجاهل ظروف القوة والعدالة التي قد تفرض التغيير عليه.
وعلى هذا يمكن قراءته بعين متوازنة: ليس كتاباً يحل مشكلات سوق العمل، بل مفتاحاً صغيراً لحوار داخلي صادق. فهو يسألك سؤالاً واحداً: ما الجبن القديم الذي لا تزال تعود إليه كل يوم رغم أنه نفد؟ وإن استطعت الإجابة عن هذا السؤال بصدق، فقد أدى الكتاب دوره، حتى لو لم تتفق مع كل ما فيه.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
- العنوان: من حرّك قطعة الجبن الخاصة بي؟ طريقة مذهلة للتعامل مع التغيير في عملك وحياتك (Who Moved My Cheese? An Amazing Way to Deal with Change in Your Work and in Your Life)
- المؤلف: سبنسر جونسون
- دار النشر: Vermilion
- بلد النشر: المملكة المتحدة
- الطبعة: Hardcover (النشر الأول: 1 يناير 1998)
- سنة النشر: 2002 (تاريخ هذه الطبعة: 1 يناير 2002)
- عدد الصفحات: 98
- ISBN: 9780091883768







