من سوق العتبة إلى المتاجر الإلكترونية.. أين يفضل سكان القاهرة الشراء؟


عرفت مدينة القاهرة بأسواقها الشعبية، ولكن مع التطور التكنولوجي السريع وظهور ما يعرف بـ«المتاجر الإلكترونية»، لم تعد شراء السلع  في القاهرة مقتصرًا على المفاضلة بين الأسواق الشعبية والمحال التقليدية؛ فخلال السنوات الأخيرة دخلت المتاجر الإلكترونية بقوة إلى معادلة الاستهلاك، ومع ذلك، فإن التحول الرقمي لم يُلغِ الأسواق القديمة مثل العتبة، بل خلق نمطًا هجينًا يختار فيه المستهلك مكان الشراء وفقًا للسعر، ونوع السلعة، والثقة، وإمكانية معاينة المنتج، وسرعة الحصول عليه.

وتكشف أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن 16.8% فقط من الأسر المصرية تستخدم التجارة الإلكترونية في شراء احتياجاتها، رغم أن نسبة الأسر التي تستخدم الإنترنت وصلت إلى 81.3%.

وهذا الفارق الكبير يشير إلى أن انتشار الإنترنت لا يعني بالضرورة التخلي عن التسوق التقليدي، بل إن 68.4% ممن لا يشترون إلكترونيًا يفضلون التسوق التقليدي في المتاجر، بينما أشار 34.2% إلى ضعف الثقة في البائع أو جودة المنتج كأحد أسباب عدم الشراء عبر الإنترنت. 

العتبة.. السعر أولًا

تظل منطقة العتبة نموذجًا واضحًا لقوة التجارة التقليدية في القاهرة، فالمستهلك الذي يذهب إليها غالبًا لا يبحث فقط عن منتج بعينه، وإنما يبحث عن السعر الأفضل وإمكانية التفاوض وتعدد البدائل، وفي ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، أصبحت مسألة “القيمة مقابل السعر” أكثر أهمية من مجرد اسم المتجر أو العلامة التجارية.

وهذا الاتجاه لا يقتصر على العتبة؛ إذ تشير تحليلات سوق التجزئة في مصر إلى استمرار قوة المتاجر الصغيرة والمنافذ غير الرسمية، بالتوازي مع نمو متاجر الخصم والأنماط التجارية التي تركز على الأسعار، كما أن المستهلك المصري أصبح أكثر حساسية للسعر، وهو ما يدفعه إلى مقارنة أكثر من قناة قبل اتخاذ قرار الشراء. 

ميزة أخرى للأسواق التقليدية هي إمكانية فحص السلعة قبل دفع ثمنها. يستطيع المشتري لمس الملابس وتجربة بعض المنتجات وفحص الخامة أو الحجم، كما يمكنه في كثير من الحالات التفاوض مع البائع، وهذه المزايا تصبح مهمة خصوصًا عندما تكون جودة المنتج غير مضمونة أو عندما توجد مخاوف من اختلاف المنتج الفعلي عن الصور المنشورة على الإنترنت.

المتاجر الإلكترونية.. الراحة والمقارنة

في المقابل، تقدم التجارة الإلكترونية ميزة يصعب على السوق التقليدي منافستها: الشراء من المنزل مع إمكانية مقارنة عشرات المنتجات والأسعار في دقائق. وتزداد هذه الميزة أهمية في مدينة كبيرة مثل القاهرة، حيث يمثل الازدحام ووقت الانتقال تكلفة حقيقية بالنسبة للمستهلك.

وتؤكد مؤشرات السوق أن التجارة الإلكترونية لم تعد نشاطًا هامشيًا. فقد قُدرت مبيعات تجارة التجزئة الإلكترونية في مصر بنحو 166.9 مليار جنيه خلال 2025، بزيادة قدرها 30% بالقيمة، وفق تقديرات يورومونيتور. كما أصبحت منصات البيع الإلكتروني أكثر تنوعًا، مع استمرار المنافسة بين منصات كبيرة ومتوسطة ومتاجر متخصصة. 

لكن انتشار التجارة الإلكترونية لا يعني أن المستهلك يفضلها في كل الحالات، فبيانات المسح الرسمي توضح أن الملابس تمثل أبرز المشتريات الإلكترونية، إذ بلغت 77.4% من مشتريات الأسر التي تستخدم التجارة الإلكترونية، تليها الأحذية والحقائب بنسبة 32.4%، ثم الإكسسوارات والساعات بنسبة 23.8%، أما الأجهزة الإلكترونية وملحقاتها فبلغت 8.5%، والأجهزة الكهربائية 7.1%. 

القاهرة بين النموذجين

تبدو القاهرة من أكثر المناطق المؤهلة للجمع بين التسوق التقليدي والرقمي، بفضل كثافة السكان وانتشار خدمات التوصيل وتوافر عدد كبير من التجار والمنصات، وتظهر بيانات السوق أن انتشار التجارة الإلكترونية أعمق في القاهرة والجيزة والإسكندرية مقارنة بالمناطق الأقل كثافة، مدفوعًا بقوة البنية اللوجستية والاستعداد الأكبر لاستخدام وسائل الدفع الرقمية. 

و تظل الثقة عنصرًا حاسمًا، فحتى عندما يجد المستهلك سعرًا أقل عبر الإنترنت، قد يفضل شراء المنتج من متجر يعرفه لأنه يستطيع معاينته والحصول عليه فورًا، كما أن الدفع عند الاستلام ما زال يحظى بشعبية كبيرة؛ إذ أظهر تقرير عن سلوك المستهلكين في التجارة الإلكترونية المصرية أن 90% من المستهلكين يفضلون الدفع عند الاستلام، مقابل 10% يستخدمون البطاقات، بينما تدور 74.3% من المحادثات المتعلقة بالتجارة الإلكترونية حول القيمة والسعر مقابل الفائدة. 

أيهما يفضل سكان القاهرة؟

الإجابة الأقرب إلى الواقع هي أن القاهري لا يختار بين العتبة والمتجر الإلكتروني بشكل مطلق، وإنما يختار القناة التي تحقق له أكبر قيمة في موقف معين، فإذا كان السعر هو العامل الحاسم، وكانت السلعة متاحة في سوق شعبي مع إمكانية التفاوض، يظل التسوق التقليدي جذابًا، أما إذا كانت الراحة، وتوفير الوقت، ومقارنة الأسعار، والتوصيل إلى المنزل هي الأولوية، فإن المتجر الإلكتروني يصبح أكثر جاذبية.

لذلك، لا يبدو أن مستقبل تجارة القاهرة يتجه إلى اختفاء العتبة لصالح الإنترنت، بل إلى تعايش القناتين، وقد يتحول التاجر التقليدي نفسه إلى بائع إلكتروني، بينما تحاول المنصات الرقمية تقديم خدمات تشبه مزايا السوق التقليدي، مثل الدفع عند الاستلام، وسهولة الإرجاع، والعروض السعرية.

وتكشف المقارنة أن السعر ما زال ملك القرار الشرائي، لكن الراحة والثقة أصبحتا شريكين أساسيين له، فالعتبة تحتفظ بقوتها لأنها تمنح المستهلك فرصة البحث والتفاوض والمعاينة، بينما تكسب المتاجر الإلكترونية أرضًا جديدة بفضل السرعة والاختيار والتوصيل.

ومن المرجح أن يكون الفائز الحقيقي في سوق القاهرة هو النموذج القادر على الجمع بين الاثنين: سعر منافس، وثقة عالية، وتجربة شراء سهلة سواء تمت في محل مزدحم بالعتبة أو بضغطة زر من المنزل

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *