تمهيد
قبل أن يكتب ستيفن كوفي كتابه، قضى وقتاً طويلاً يقلّب صفحات ما كُتب عن النجاح خلال نحو مئتي عام، وخرج منها بملاحظة غريبة. فالكتب القديمة كانت تتحدث عن الأمانة والشجاعة والعدل والصبر، أما الكتب التي ظهرت في القرن العشرين فانشغلت بالانطباع الأول وأسلوب الكلام ومهارات كسب القبول. وهنا طرح سؤاله: هل انتقلنا من بناء الإنسان إلى تلميع صورته؟ ومن هذا السؤال خرج واحد من أكثر الكتب مبيعاً في عالم التنمية الذاتية.
ماذا يريد الكاتب؟
يريد كوفي أن يغيّر اتجاه التفكير كله: بدلاً من أن تبدأ من الخارج، بتقنيات وحيل لتحسين نتائجك، تبدأ من الداخل، من الشخصية والمبادئ. وهو يسمي الأولى “أخلاقيات الشخصية” (Personality Ethic) ويقصد بها الصورة والأسلوب، ويسمي الثانية “أخلاقيات الطبع” (Character Ethic) ويقصد بها المبادئ والنزاهة، ويرى أن الأولى تعطي نتائج سريعة وهشة، وأن الثانية وحدها تبني فاعلية تدوم. ولذلك لا يقدم قائمة نصائح، بل يقترح سبع عادات تتراكم فوق بعضها كما تُبنى الدرجات في سلّم واحد.
لماذا هذا الكتاب؟
لم يخرج الكتاب من فراغ، فقد جمع كوفي بين دراسته لأدبيات النجاح، وتجربته مع زوجته في تربية ابنهما التي جعلته يعيد النظر في معنى القدوة والإدراك، وملاحظته لعلاقة الناس بالإدراك والنتائج، وخبرته الطويلة في تدريب الشركات والقيادات. أراد أن يقدم إطاراً يجمع المهنة والبيت والعلاقات تحت مظلة واحدة، لا أن يفصل بين النجاح في العمل والنجاح في الحياة. ومنذ صدوره عام 1989 بيع منه عشرات الملايين من النسخ، وتتفاوت التقديرات بحسب المصادر، وترجم إلى عشرات اللغات.
يلخص هذا الكتاب عدة أمور:
- فكرة “سلّم النضج”: ينتقل الإنسان من الاعتماد على غيره، إلى الاستقلال بنفسه، ثم إلى الاعتماد المتبادل مع الآخرين، ولا يمكن القفز فوق المرحلة الوسطى.
- العادة الأولى “كن مبادراً”: أنت لا تُختزل في ظروفك، بل تملك مساحة اختيار بين ما يحدث لك وكيف تتصرف حياله.
- العادة الثانية “ابدأ والنهاية في ذهنك”: حدّد وجهتك وقيمك أولاً، ولا بأس أن تكتب لنفسك رسالة شخصية تذكّرك بما تريده فعلاً.
- العادة الثالثة “ابدأ بالأهم قبل المهم”: ميّز بين ما هو عاجل وما هو مهم حقاً، لأن حياة تُدار بالعاجل وحده تبقى مرهقة وفارغة.
- العادة الرابعة “فكّر بعقلية الربح للجميع”، والخامسة “اسعَ أولاً إلى أن تفهم ثم إلى أن تُفهَم”، والسادسة “التآزر”، أي أن يصنع التعاون الصادق شيئاً أكبر من مجموع جهود أصحابه.
- العادة السابعة “اشحذ المنشار”: جدّد نفسك بدنياً وذهنياً وروحياً واجتماعياً، فمن لا يتوقف ليشحذ أداته يعمل بجهد أكبر ونتيجة أقل.
- فكرة “حساب الثقة العاطفي”: كل موقف صادق يُودِع في رصيد العلاقة، وكل خذلان يسحب منه.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب من يشعر أن أيامه تمتلئ بالمهام ولا تتقدم به نحو ما يريد، والمدير الذي يريد أن يقود فريقه بالثقة لا بالأوامر، والشاب الذي يبحث عن إطار يرتب به أولوياته. كما يناسب من يحب القراءة المنظمة التي تبني الفكرة طبقة فوق طبقة. أما من يريد حلولاً سريعة جاهزة في ساعة واحدة، فقد يشعر بأن الكتاب يطلب منه أكثر مما يعطيه.
مميزات الكتاب:
أبرز ما فيه بناؤه المتماسك، فالعادات السبع ليست قائمة متفرقة بل رحلة متدرجة من الذات إلى الآخرين ثم إلى التجدد. وثاني مزاياه عمق السؤال الذي يطرحه: ما الذي أريده فعلاً، وما الذي يستحق وقتي؟ وهذا أنفع من أي جدول وقت. وثالثها وضوح المصطلحات التي ابتكرها، مثل “دائرة التأثير” و”مصفوفة الأولويات” و”حساب الثقة”، فهي سهلة الحفظ والتطبيق، وكثير من الناس يستخدمونها اليوم دون أن يعرفوا مصدرها.
قراءة صحفية:
أكثر ما يستحق الإعجاب في هذا الكتاب أنه يرفض الطريق المختصر. فكوفي لا يعدك بأن تتغير في أسبوع، بل يطلب منك أن تعمل على نفسك عملاً بطيئاً وغير مرئي قبل أن تحاول التأثير في الآخرين. وهذه فكرة صحيحة في جوهرها، فمن لا يضبط وقته وقراره لن ينجح في بناء علاقات ثقة. وتظهر قوته أكثر حين نقرأ العادات من الرابعة إلى السادسة وقد بُنيت على أساس الأولى إلى الثالثة، فالتعاون الذي لا يقف على استقلال داخلي يتحول إلى تبعية أو مجاملة.
لكن القراءة الأمينة لا تخلو من ملاحظات. فالكتاب صدر قبل أكثر من ثلاثة عقود، وبعض أمثلته وأسلوبه يحمل نبرة مؤسسية ووعظية قد لا تناسب كل قارئ اليوم، كما أن اعتماده على المبادئ “العالمية” يفترض أن القيم التي يراها صحيحة يتفق عليها الجميع، وهو افتراض يمكن أن يُناقش. وبعض فصوله مليء بالحكم المركزة التي قد تُقرأ بسرعة ثم تُنسى، ولذلك يقال إن كثيراً من قرائه يعودون إلى عاداتهم القديمة صباح الاثنين التالي. كما أنه يعتمد على قراءة أدبيات النجاح وتجارب الحياة أكثر مما يعتمد على تجارب علمية محكمة.
ومع ذلك فإن القيمة العملية قائمة لمن يتعامل معه بذكاء: لا تحاول أن تتبنى السبع جميعاً دفعة واحدة، بل اختر عادة واحدة تشعر أنها تنقصك، وجرّبها شهراً. فإن كنت تضيع في العاجل فابدأ بالثالثة، وإن كانت علاقاتك متوترة فابدأ بالخامسة. وهكذا يتحول الكتاب من مرجع محفوظ إلى ورشة صغيرة تعمل عليها كل يوم، ويصبح السؤال الأهم بعد إغلاق صفحته الأخيرة هو: ما العادة الواحدة التي لو التزمت بها بصدق، ستتغير بسببها بقية عاداتي؟
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
- العنوان: العادات السبع للناس الأكثر فاعلية: دروس قوية في التغيير الشخصي (The 7 Habits of Highly Effective People: Powerful Lessons in Personal Change)
- المؤلف: ستيفن كوفي
- دار النشر: Free Press
- بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية
- الطبعة: Paperback (النشر الأول: 1 يناير 1989)
- سنة النشر: 2004 (تاريخ هذه الطبعة: 9 نوفمبر 2004)
- عدد الصفحات: 372
- ISBN: 9780743269513







