لا تقسم الفرق: كيف تتفاوض كأن حياتك تعتمد على ذلك

تمهيد

تخيّل أنك تجلس مقابل رجل يحتجز رهينة، وكل كلمة تنطق بها قد تعني الفرق بين حياة وموت. الآن تخيّل أن الأدوات التي تستخدمها في ذلك الموقف هي نفسها التي يمكن أن تنفعك حين تطلب زيادة في راتبك، أو تساوم على سعر سيارة، أو تحاول إقناع شريكك بأمر يخص البيت. هذه هي الفكرة التي يبني عليها كريس فوس، ضابط التفاوض الدولي السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي، كتابه الذي غيّر طريقة تفكير كثيرين في المفاوضات اليومية.

ماذا يريد الكاتب؟

يريد فوس أن ينسف الصورة التقليدية للمفاوِض العقلاني البارد الذي يوازن المكاسب والخسائر على ورقة. فهو يرى أن أغلب المفاوضات تحكمها العواطف والخوف والكبرياء أكثر مما يحكمها المنطق، وأن من يتجاهل ذلك يخسر حتى لو كانت حججه أقوى. ولذلك يقترح بديلاً قائماً على الإنصات الذكي وفهم مشاعر الطرف الآخر، بدل المساومة السريعة التي تنتهي بقسمة الفرق بين رقمين.

لماذا هذا الكتاب؟

قضى فوس سنوات طويلة يتفاوض في قضايا الاختطاف والرهائن، ثم أسس مجموعة “بلاك سوان” لتدريب الشركات والأفراد على ما تعلمه. ولاحظ أن أساليب التفاوض الأكاديمية الشائعة، رغم قيمتها، تقصّر حين يتحول الموقف إلى صدام نفسي حاد. فأراد أن ينقل خبرته من غرف الأزمات إلى قاعات الاجتماعات وطاولات الحياة العادية، بلغة بسيطة وقصص حقيقية، وبمساعدة الكاتب تال راز الذي شاركه في صياغة العمل.

يلخص هذا الكتاب عدة أمور:

  • “التعاطف التكتيكي” هو حجر الأساس: أن تفهم مشاعر الطرف المقابل وتعبّر عن فهمك لها، دون أن يعني ذلك موافقتك على ما يريد.
  • “المرآة” تقنية بسيطة تقوم على تكرار آخر كلمة أو ثلاث كلمات قالها محدثك بنبرة فضولية، ثم الصمت لحظات، فيُكمل هو الحديث ويكشف المزيد.
  • “التسمية” تعني أن تصف ما يشعر به الآخر بعبارة مثل “يبدو أنك قلق من…”، فتنزع فتيل التوتر قبل أن ينفجر.
  • “الأسئلة المعايرة” هي أسئلة مفتوحة تبدأ بـ”كيف” و”ماذا”، ويتجنب فوس فيها “لماذا” لأنها تبدو اتهاماً، وغايتها أن تجعل الطرف الآخر يشارك في حل مشكلتك.
  • كلمة “لا” ليست رفضاً نهائياً في نظره، بل حماية يطلبها الناس ليشعروا بالأمان، ولذلك يبدأ بأسئلة تُجاب بـ”لا” بدل أسئلة تُجاب بـ”نعم”.
  • “البجعة السوداء” هي معلومة خفية لدى الطرف الآخر تغيّر قواعد اللعبة كلها، ويرى فوس أن لكل مفاوض ثلاث منها على الأقل، وعلى المفاوض أن يبحث عنها بالإصغاء.
  • نموذج “أكرمان” لمساومة السعر على مراحل تدريجية، مع التعاطف والأسئلة المعايرة بين كل خطوة.

لمن يناسب هذا الكتاب؟

يناسب الموظف الذي يستعد لمفاوضة على الراتب أو الترقية، وصاحب العمل الذي يتعامل مع موردين وعملاء، والبائع الذي يريد أن يفهم لماذا يقول الناس “سأفكر في الأمر”. كما يناسب كل من يتعامل مع خلافات أسرية أو شخصية ويريد أن يتعلم كيف يهدّئ الحوار بدل أن يزيده سخونة. ويصلح كذلك لمن يحب قصص الأزمات الحقيقية ويتعلم من خلالها.

مميزات الكتاب:

أول ميزاته أنه يقدّم أدوات قصيرة يمكن تجربتها في اليوم نفسه، فلا تحتاج لدورة تدريبية طويلة كي تجرّب المرآة أو التسمية. وثانيتها أن الأفكار تأتي مغلّفة بقصص تفاوض حقيقية تشد القارئ، فيفهم الأسلوب من خلال موقف حي لا من خلال قاعدة جافة. وثالثتها أن الكتاب يجرؤ على مخالفة الشائع، فيرفض تقديس “الحل الوسط” ويقول إن تقسيم الفرق بين الطرفين قد ينتهي باتفاق يضر بالجميع، كمن يخرج من البيت بحذاءين مختلفين الألوان فقط لأنه أراد إرضاء كل الأطراف.

قراءة صحفية:

أجمل ما يمنحه هذا الكتاب لقارئه أنه يغيّر طريقة إنصاته قبل أن يغيّر طريقة كلامه. فأغلبنا يدخل أي حوار صعب ونحن نجهّز الرد، أما فوس فيعلّمك أن تُنصت لما وراء الكلمات، وأن تتعامل مع مشاعر الطرف المقابل كمعلومة ثمينة وليس كعقبة. وهذا درس نافع في المفاوضات وفي البيوت معاً، فكم من خلاف حُسم لأن أحدهم قال بصدق: “يبدو أن هذا يضايقك فعلاً”.

لكن القراءة الأمينة تقتضي أيضاً بعض الحذر. فقد رأى بعض النقاد أن هذه الأساليب قد تبدو مصطنعة حين تُطبَّق حرفياً، وأن الشخص الذي يكرّر كلماتك أو يصف مشاعرك بعبارات محفوظة قد يثير الشك بدل الثقة. ويردّ فوس بأن التعاطف التكتيكي ليس تلاعباً بل جمع معلومات وبناء علاقة، غير أن الحدّ بين الأمرين يتوقف في النهاية على نية من يستخدمه. كما أن كثيراً من قصص الكتاب مأخوذة من ظروف استثنائية، ولا ينتقل كل ما فيها إلى مفاوضات الحياة اليومية بالسهولة نفسها.

وإن أردت اختباراً عملياً بسيطاً فجرّب هذا الأسبوع أمراً واحداً فقط: في أول حوار صعب يمر بك، لا ترد مباشرة، بل كرر آخر كلمات محدثك بهدوء، ثم اصمت أربع ثوانٍ تقريباً. ستلاحظ كم تتغير نبرة الحديث حين يشعر الإنسان بأنك سمعته فعلاً، وكم من معلومة تظهر في تلك الثواني القليلة دون أن تطلبها.

ويُضاف إلى ذلك أن الكتاب يميل إلى التكرار في بعض فصوله، وأن عبارة “لا تقسم الفرق” نفسها لا تصلح في كل موقف، فهناك علاقات طويلة الأمد يكون فيها التنازل المتبادل هو الأذكى. ومع ذلك يبقى الكتاب من أنفع ما كُتب في هذا الباب، لأنه يذكّرنا بأن الطرف الآخر إنسان له خوفه وكبرياؤه، وأن الصفقة الجيدة تبدأ حين يشعر هذا الإنسان بأنه مسموع، وأن أقوى ما نملكه في أي تفاوض ليس صوتنا العالي بل انتباهنا الصادق لمن أمامنا.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب

  • العنوان: لا تقسم الفرق: كيف تتفاوض كأن حياتك تعتمد على ذلك (Never Split the Difference: Negotiating As If Your Life Depended On It)
  • المؤلف: كريس فوس (بالتعاون مع تال راز)
  • دار النشر: Random House Business
  • بلد النشر: المملكة المتحدة
  • الطبعة: Paperback
  • سنة النشر: 2023 (تاريخ النشر: 1 مارس 2023)
  • عدد الصفحات: 274
  • ISBN: 9781847941497

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *