قراءة في كتاب «فلسطين.. في ماضيها العربي وحاضرها الصهيوني»

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

الفكرة الرئيسية

يقدم كتاب «فلسطين.. في ماضيها العربي وحاضرها الصهيوني» قراءة في تاريخ فلسطين، من خلال المقارنة بين الحياة العامة والمؤسسات القائمة فيها قبل الاحتلال، وبين التحولات السياسية والاجتماعية التي يناقشها المؤلفان في ظل المشروع الصهيوني والاحتلال الإسرائيلي.

ولا يكتفي الكتاب بتناول القضية الفلسطينية باعتبارها صراعاً على الأرض، بل يفتح ملفاً أوسع يتعلق بالهوية الوطنية، وبنية المجتمع، ومؤسسات الحكم، والعلاقة بين السكان والأرض، ثم ينتقل إلى دراسة المجتمع الإسرائيلي وطبيعة نظامه السياسي والاجتماعي كما يراه المؤلفان.

ويعتمد العمل على تقديم صورتين متقابلتين: صورة فلسطين في ماضيها العربي، وما ارتبط بها من ملامح للحياة والإدارة والمؤسسات، وصورة الحاضر الذي تشكل تحت الاحتلال والصراع. ومن خلال هذه المقارنة، يحاول المؤلفان تقديم تفسير للتحولات التي أصابت المجتمع الفلسطيني، ومناقشة طبيعة المجتمع الإسرائيلي وتناقضاته الداخلية.

وتتطلب قراءة الكتاب الانتباه إلى أنه يحمل رؤية سياسية وتاريخية واضحة، وهو ما يجعل من المهم التمييز بين المعلومات التاريخية التي يمكن التحقق منها، وبين الأحكام والتفسيرات التي يقدمها المؤلفان عند تحليل المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي.

لماذا كُتب هذا الكتاب؟

تنبع أهمية الكتاب من محاولته تقديم القضية الفلسطينية من زاوية تتجاوز متابعة المواجهات العسكرية أو التطورات السياسية اليومية، إلى استعادة صورة الحياة الفلسطينية ومؤسساتها، ثم النظر في التحولات التي طرأت عليها بعد الاحتلال.

فالقضية الفلسطينية لا يمكن فهمها من خلال الأحداث العسكرية وحدها؛ إذ ترتبط بتاريخ المدن والقرى، وبالتركيب الاجتماعي، والمؤسسات التي أدارت شؤون السكان، وبالعلاقة بين الأرض والهوية والانتماء. كما أن فهم المجتمع الذي نشأ في ظل المشروع الصهيوني يحتاج إلى دراسة ظروف تشكله، ومؤسساته، وتنوع مكوناته، والصراعات التي شهدها.

ومن هذا المنطلق، يحاول الكتاب الإجابة عن أسئلة تتعلق بما كانت عليه فلسطين قبل الاحتلال، وكيف كانت تُدار شؤونها العامة، وما الذي تغير في بنيتها السياسية والاجتماعية، وكيف يمكن فهم المجتمع الإسرائيلي في ضوء تعدد خلفيات سكانه واختلافاتهم.

وتزداد أهمية هذه الأسئلة مع استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لأن العودة إلى التاريخ تساعد على فهم جذور القضايا الراهنة، بشرط ألا تتحول المقارنة بين الماضي والحاضر إلى بديل عن التوثيق الدقيق أو عن دراسة التحولات التي شهدتها كل مرحلة.

فلسطين قبل الاحتلال.. المجتمع والمؤسسات

يخصص القسم الأول من الكتاب مساحة لاستعراض جوانب الحياة العامة في فلسطين قبل الاحتلال، ويتناول المدن الفلسطينية ومقومات الكيان الفلسطيني، إلى جانب المؤسسات التي كانت تدير شؤون الحكم والإدارة.

ويشير العرض المنشور للكتاب إلى تناول نظام الحاكم العام، والمجلس التنفيذي، والمجلس التشريعي، والسلطة القضائية، والقوات المسلحة، والإدارة المالية، فضلاً عن الأحكام العامة التي نظمت جوانب من الحياة آنذاك. ومن خلال هذه الموضوعات، يسعى المؤلفان إلى تقديم صورة عن البنية المؤسسية التي كانت قائمة، وعن أشكال تنظيم الشؤون العامة في فلسطين.

وتكتسب هذه المسألة أهميتها من أن الحديث عن فلسطين لا ينبغي أن يبدأ فقط من الحروب والاحتلالات، بل من دراسة المجتمع الذي عاش على أرضها، والمدن التي شكلت مراكز للحياة الاقتصادية والثقافية، والأنظمة التي نظمت العلاقات بين السكان.

فالتاريخ الاجتماعي والمؤسسي يساعد على فهم كيفية إدارة المجتمعات لشؤونها، وطبيعة العلاقات بين المؤسسات والسكان، ومدى تأثير التغيرات السياسية في الحياة اليومية. كما أنه يضع الهوية الوطنية في سياقها التاريخي، بعيداً عن اختزالها في لحظة سياسية واحدة.

ومع ذلك، فإن دراسة مؤسسات الحكم تحتاج إلى تحديد المرحلة الزمنية التي ينتمي إليها كل نظام أو جهاز إداري؛ لأن فلسطين مرت بتغيرات سياسية وإدارية متعددة. ولذلك تظل العودة إلى الوثائق التاريخية والمصادر المتخصصة ضرورية لفهم طبيعة هذه المؤسسات وصلاحياتها، وعدم الخلط بين المراحل المختلفة.

المدن الفلسطينية.. أكثر من جغرافيا

تحتل المدن مكانة أساسية في فهم التاريخ الفلسطيني؛ فهي ليست مجرد تجمعات سكانية، وإنما مراكز للحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تتشكل داخلها العلاقات بين السكان، وتظهر فيها أنماط العمل والتعليم والتجارة والإدارة.

ومن هنا، فإن تناول المدن الفلسطينية ومقومات المجتمع قبل الاحتلال يفتح الباب أمام دراسة الحياة اليومية، وطبيعة الروابط بين المدن والقرى، ودور المؤسسات في تنظيم المجتمع، وكيف أسهمت هذه العلاقات في تكوين الهوية الوطنية.

ولا يمكن فهم التحولات التي أصابت فلسطين في العقود اللاحقة من دون النظر إلى أثر الاحتلال في السكان والأرض، وما ترتب عليه من تغيرات في توزيع السكان، والحركة بين المناطق، والوصول إلى الموارد، واستمرار الروابط الاجتماعية.

وتساعد هذه الزاوية على تجاوز التعامل مع فلسطين باعتبارها مساحة جغرافية محل نزاع فقط، والنظر إليها بوصفها مجتمعاً له تاريخ وتكوين اجتماعي وثقافي ومؤسساتي. فالأرض في التجربة الفلسطينية ليست مجرد موقع، وإنما ترتبط بالذاكرة والانتماء والحياة اليومية.

الهوية الوطنية وعلاقتها بالتاريخ

تطرح المقارنة بين ماضي فلسطين وحاضرها سؤالاً أساسياً عن العلاقة بين التاريخ والهوية الوطنية. فالهوية لا تتشكل من الشعارات وحدها، بل تتكون عبر اللغة والثقافة والذاكرة المشتركة والعلاقات الاجتماعية والتجارب التي يمر بها السكان.

ويحاول الكتاب، من خلال استعراض ملامح الحياة الفلسطينية ومؤسساتها، التأكيد على أن المجتمع الفلسطيني يمتلك جذوراً تاريخية تتجاوز التطورات السياسية التي شهدتها المنطقة في العصر الحديث. وتكتسب هذه الفكرة أهميتها في ظل محاولات تفسير الصراع من خلال روايات متعارضة بشأن الأرض والتاريخ والحقوق.

لكن دراسة الهوية الوطنية تحتاج إلى النظر في تطورها عبر الزمن، وفهم أثر التحولات السياسية والاجتماعية فيها. فالهوية ليست بناءً جامداً لا يتغير، وإنما تتفاعل مع التجارب التاريخية، وقد تزداد قوة أو تتخذ أشكالاً جديدة في ظل الاحتلال والتهجير والصراع.

كما أن توثيق تاريخ المجتمع يتطلب الاستعانة بمصادر متنوعة، تشمل الوثائق والسجلات والشهادات والدراسات الاجتماعية، حتى لا تظل الهوية موضوعاً للأحكام العامة فقط، بل تصبح مجالاً للبحث التاريخي الذي يمكن من خلاله فهم تفاصيل الحياة والتغيرات التي طرأت عليها.

الاحتلال والتحولات في المجتمع الفلسطيني

ينتقل الكتاب من استعراض الماضي الفلسطيني إلى مناقشة الحاضر تحت الاحتلال الصهيوني، في محاولة لفهم ما أصاب المجتمع الفلسطيني من تغيرات سياسية واجتماعية.

ويضع هذا الانتقال القارئ أمام واحدة من القضايا الأساسية في دراسة الاحتلال: تأثير السيطرة على الأرض والمؤسسات في حياة السكان، وفي قدرتهم على إدارة شؤونهم وممارسة حقوقهم. فالاحتلال لا يقتصر أثره على السيطرة العسكرية، بل يمتد إلى الحركة والعمل والتعليم والاقتصاد، وإلى علاقة السكان بمؤسسات الحكم والموارد المتاحة لهم.

كما أن دراسة التحولات الاجتماعية تستلزم النظر في أثر النزوح والتهجير، وتغير أنماط الحياة، وتعرض المجتمعات للانقسام أو فقدان الروابط المكانية، فضلاً عن أثر الحروب المتكررة في الأفراد والعائلات.

ومن المهم عند تناول هذه القضايا التمييز بين وصف التحولات العامة وبين تحديد حجم كل تحول وأسبابه. فالأحكام المتعلقة بأثر الاحتلال تحتاج إلى الاستناد إلى الوقائع والوثائق والدراسات، مع مراعاة اختلاف التجارب بين المناطق والفترات الزمنية.

ويتيح الكتاب مدخلاً لمناقشة هذه الموضوعات، بينما تظل المقارنة بالمصادر التاريخية والحقوقية والاجتماعية ضرورية لتكوين صورة أكثر تفصيلاً عن آثار الاحتلال في المجتمع الفلسطيني.

المجتمع الإسرائيلي.. التنوع والتناقضات الداخلية

يتناول القسم الثاني من الكتاب المجتمع الإسرائيلي، ويعرض ما يراه المؤلفان من مشكلات وتناقضات في البنية السياسية والاجتماعية، مع التركيز على العلاقة بين الحكم والجيش والمجتمع، وعلى تأثير الهجرة والاختلافات الثقافية في تشكيل هذا المجتمع.

ويقدم المؤلفان رؤية نقدية لطبيعة المجتمع الإسرائيلي، ويربطان بين تعدد خلفيات السكان وبين صعوبات بناء هوية جماعية متجانسة. كما يناقش الكتاب، وفقاً لعرضه المنشور، انعكاسات السياسات الداخلية والاضطرابات الاجتماعية على استقرار النظام.

وتطرح هذه الموضوعات أسئلة مهمة حول العلاقة بين الهوية الوطنية والهجرة، وكيف تتعامل الدول مع التنوع اللغوي والثقافي والديني، وما إذا كانت المؤسسات السياسية قادرة على بناء شعور مشترك بالانتماء بين مجموعات تختلف في تاريخها وتجربتها الاجتماعية.

لكن تحليل المجتمع الإسرائيلي يحتاج إلى تجنب اختزاله في صورة واحدة؛ فالمجتمعات الحديثة تضم تيارات سياسية واجتماعية متعددة، وقد تتباين مواقفها من قضايا الحرب والسلام والدين والهوية والسياسات الحكومية. كما أن وجود خلافات داخل المجتمع لا يعني بالضرورة انهيار مؤسساته أو عجزه عن الاستمرار.

ومن هنا، فإن قراءة هذا الجزء تستفيد من التعامل مع أحكام المؤلفين باعتبارها تفسيراً سياسياً يحتاج إلى فحص الأدلة، ومقارنته بدراسات أخرى عن المجتمع الإسرائيلي وتياراته السياسية وتطوراته الاجتماعية.

الهجرة والهوية وبناء المجتمع

يمنح الكتاب الهجرة مكانة في تفسير طبيعة المجتمع الإسرائيلي، ويربط بين اختلاف الخلفيات التي جاء منها السكان وبين التحديات المتعلقة بالهوية والتماسك الاجتماعي.

وتعد الهجرة عاملاً مؤثراً في تشكيل المجتمعات، إذ تنقل معها لغات وتقاليد وخبرات مختلفة، وتؤثر في أنماط السكن والعمل والتعليم والعلاقات بين الجماعات. وقد تنشأ عن ذلك فرص للتفاعل والتنوع، كما قد تظهر خلافات حول توزيع الموارد والتمثيل السياسي والثقافة العامة.

وفي حالة إسرائيل، ارتبطت الهجرة بتاريخ المشروع الصهيوني وبناء الدولة، وأصبحت قضايا الهوية والانتماء والعلاقة بين الجماعات من الموضوعات المهمة في الحياة السياسية والاجتماعية. غير أن فهم هذه القضايا يتطلب دراسة الفترات المختلفة ومواقف المجموعات المتنوعة، بدلاً من افتراض أن جميع السكان يتبنون رؤية واحدة أو يواجهون الظروف نفسها.

وتساعد هذه المقاربة على قراءة المجتمع باعتباره كياناً متغيراً، تتفاعل داخله عوامل السياسة والاقتصاد والثقافة والدين، وتؤثر فيه الأحداث الإقليمية والصراعات المستمرة.

الحكم والجيش والسياسة

يناقش الكتاب العلاقة بين النظام السياسي والجيش والمجتمع الإسرائيلي، ويطرح رؤية نقدية لتأثير المشكلات الداخلية في استقرار الحكم. وتفتح هذه القضية الباب أمام دراسة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والقرار السياسي، ومدى تأثير الاعتبارات الأمنية في الحياة العامة.

ففي المجتمعات التي تعيش في ظل صراعات ممتدة، قد تحتل القضايا الأمنية مساحة كبيرة من النقاش السياسي، وقد تنعكس على أولويات الإنفاق العام، وعلى التشريعات، وعلى علاقة المواطنين بمؤسسات الدولة. كما يمكن أن يؤدي استمرار الصراع إلى تعميق الخلافات حول إدارة الحرب، وتحديد الأهداف السياسية، وتقييم نتائج العمليات العسكرية.

لكن تحليل هذه العلاقة يحتاج إلى أدلة محددة، مثل تطور المواقف السياسية، ونتائج الانتخابات، والنقاشات العامة، والبيانات الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن دراسة المؤسسات نفسها. ولا يكفي وجود خلاف سياسي أو احتجاج اجتماعي للاستنتاج بأن النظام يواجه انهياراً شاملاً.

ومن ثم، فإن قيمة هذا الجزء تتوقف على مدى قدرة القارئ على التمييز بين نقد المؤلفين للسياسات الإسرائيلية وبين الوقائع التي يمكن التحقق منها بشأن أداء المؤسسات والعلاقة بين الجيش والحكومة والمجتمع.

كيف نقرأ الروايات التاريخية المتعارضة؟

من القضايا التي يثيرها الكتاب بصورة غير مباشرة أن التاريخ السياسي كثيراً ما يُروى من زوايا مختلفة، وأن الرواية التي يختارها المؤلف قد تتأثر بموقفه الفكري والسياسي وبالمصادر التي يعتمد عليها.

وفي القضايا المرتبطة بفلسطين والصهيونية والاحتلال، تتداخل الوقائع التاريخية مع الذاكرة الجماعية والمواقف السياسية، ما يجعل المقارنة بين المصادر أمراً ضرورياً. فليس كل اختلاف بين الروايات دليلاً على أن إحداها مختلقة، كما أن تكرار ادعاء في أكثر من مصدر لا يضمن صحته إذا كانت المصادر تنقل عن أصل واحد.

والقراءة النقدية لا تعني التعامل مع جميع الروايات باعتبارها متساوية في المصداقية، بل تعني فحص الأدلة، ومراجعة السياق الزمني، وتحديد ما يمكن إثباته، وما يظل تفسيراً أو حكماً سياسياً.

وتبرز أهمية هذا المنهج في الكتب التي تتناول مجتمعات متنازعة، إذ يحتاج القارئ إلى معرفة موقع المؤلف من القضية، ونوعية المصادر التي اعتمد عليها، والتمييز بين الوصف والتحليل والتقييم الأخلاقي.

ماذا يقدم الكتاب للقارئ اليوم؟

يقدم الكتاب مدخلاً إلى قراءة القضية الفلسطينية من خلال الجمع بين تاريخ المجتمع الفلسطيني ومؤسساته من جهة، ونقد المجتمع الإسرائيلي وتحولاته من جهة أخرى. وهو يتيح للقارئ التفكير في العلاقة بين التاريخ والهوية، وأثر الاحتلال في المؤسسات والحياة الاجتماعية، ودور الهجرة والتنوع في بناء المجتمعات الحديثة.

كما يعيد الاهتمام إلى جانب قد لا يحظى بالمساحة نفسها التي تحظى بها الأخبار اليومية، وهو تاريخ الحياة العامة في فلسطين، وطبيعة مؤسساتها ومدنها، والتغيرات التي طرأت عليها عبر الزمن.

لكن الاستفادة من الكتاب تزداد عندما يُقرأ باعتباره عملاً يحمل رؤية محددة، لا مرجعاً منفرداً لجميع تفاصيل القضية. فالموضوع يحتاج إلى الجمع بين المصادر التاريخية والوثائق والدراسات الاجتماعية والسياسية، وإلى مراعاة أن المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي شهدا تحولات متعددة لا يمكن اختزالها في وصف واحد.

خلاصة الكتاب

يسعى كتاب «فلسطين.. في ماضيها العربي وحاضرها الصهيوني» إلى تقديم قراءة تاريخية وسياسية تقارن بين ملامح الحياة الفلسطينية ومؤسساتها قبل الاحتلال، وبين التحولات التي يناقشها المؤلفان في ظل الاحتلال الإسرائيلي، ثم ينتقل إلى نقد بنية المجتمع الإسرائيلي وعلاقته بالهجرة والهوية والحكم والجيش. وتكمن أهمية العمل في أنه يضع تاريخ المجتمع الفلسطيني ومؤسساته في قلب النقاش، بدلاً من حصر القضية في المواجهات العسكرية وحدها، كما يفتح باباً لدراسة التناقضات الاجتماعية والسياسية داخل إسرائيل. ومع ذلك، فإن الأحكام التي يقدمها المؤلفان تحتاج إلى قراءة نقدية ومقارنة بالمصادر المستقلة، خصوصاً عندما تتعلق بتوصيف المجتمعات أو تفسير أسباب الأزمات. فالقيمة الحقيقية للكتاب تكمن في الموضوعات التي يثيرها والأسئلة التي يفتحها أمام القارئ، وفي قدرته على دفعه إلى البحث عن الأدلة وفهم التاريخ في سياقه الأوسع.

لمن يناسب هذا الكتاب؟

يناسب الكتاب المهتمين بتاريخ فلسطين الحديث، والقضية الفلسطينية، وتطور مؤسسات الحكم، وتاريخ المجتمع الإسرائيلي، والعلاقة بين الاحتلال والهوية الوطنية. كما يمكن أن يفيد طلاب التاريخ والعلوم السياسية والصحفيين والباحثين الذين يرغبون في دراسة الروايات التاريخية المرتبطة بالصراع العربي الإسرائيلي، بشرط مقارنته بمراجع ووثائق أخرى.

تتمثل أبرز نقاط القوة في الجمع بين التاريخ المؤسسي والاجتماعي لفلسطين وبين دراسة التحولات السياسية والاجتماعية في المجتمع الإسرائيلي. كما أن الكتاب يلفت الانتباه إلى أهمية المدن والمؤسسات والهوية الوطنية، ويقدم مدخلاً لمناقشة قضايا تتجاوز الأحداث العسكرية إلى طبيعة المجتمعات التي تشكلت في ظل الصراع.

تحتاج بعض الأحكام العامة المتعلقة بالمجتمع الإسرائيلي وتماسكه الداخلي إلى فحص مستقل، خصوصاً عندما تربط بين التنوع السكاني والاضطرابات السياسية أو تتحدث عن انهيار المؤسسات. كما أن المقارنة بين الماضي الفلسطيني والحاضر تحت الاحتلال تحتاج إلى تحديد دقيق للفترات التاريخية والمصادر المستخدمة. ولا يمكن الجزم بدقة كل التفاصيل التي يتناولها الكتاب من خلال الوصف التعريفي وحده؛ إذ يتطلب ذلك مراجعة النص كاملاً ومقارنته بوثائق ودراسات تاريخية واجتماعية مستقلة.

ملاحظات يمكن مناقشتها

كيف تساعد دراسة مؤسسات الحكم والحياة العامة في فلسطين على فهم تاريخ المجتمع قبل الاحتلال؟ وما أثر الاحتلال في البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الفلسطيني؟ وكيف تؤثر الهجرة والتعدد الثقافي في تشكيل الهوية الوطنية؟ وما الفارق بين نقد السياسات الحكومية والحكم على المجتمع بأكمله؟ وكيف يمكن قراءة الروايات التاريخية المتعارضة دون الوقوع في التحيز أو التسوية بين الأدلة القوية والادعاءات غير الموثقة؟

هذه الأسئلة تجعل الكتاب نقطة انطلاق مناسبة لمناقشة التاريخ الفلسطيني والصراع العربي الإسرائيلي من زاوية أوسع من متابعة الأحداث اليومية.

الكلمة الأخيرة

تظل فلسطين أكثر من عنوان في أخبار الحروب والصراعات؛ فهي تاريخ مجتمع ومدن ومؤسسات وذاكرة جماعية، وتجربة وطنية تأثرت بالاحتلال والتحولات السياسية والاجتماعية. ويحاول كتاب «فلسطين.. في ماضيها العربي وحاضرها الصهيوني» استعادة جانب من هذا التاريخ، ثم وضعه في مواجهة الحاضر الذي يناقشه المؤلفان، مع تقديم قراءة نقدية للمجتمع الإسرائيلي.

وتكمن فائدة الكتاب في فتح ملفات التاريخ والهوية والمؤسسات، وفي تذكير القارئ بأن فهم القضية الفلسطينية يحتاج إلى معرفة الماضي، وفحص الحاضر، ومقارنة الروايات بالمصادر، حتى لا تتحول القراءة إلى مجرد تكرار للمواقف، بل تصبح محاولة لفهم أعمق للوقائع وما وراءها.

البطاقة التعريفية للكتاب

عنوان الكتاب: فلسطين.. في ماضيها العربي وحاضرها الصهيوني.

المؤلفان: علي محمد علي وإبراهيم الحمصاني.

التقديم والمراجعة: د. عبد المنعم محمود.

الناشر: وكالة الصحافة العربية – ناشرون.

سنة الطبعة العربية: ٢٠٢٥.

عدد الصفحات: ١٧١ صفحة.

رقم الترقيم الدولي (ISBN): 9786333010176.

رقم الإيداع: ٥٣٧٥/٢٠٢٥.

التصنيف: تاريخ فلسطين، سياسة عربية، الصراع العربي الإسرائيلي.

اللغة: العربية.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.

وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلفي الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *