كي تحقق مبتغاك.. قراءة في كتاب “فن الإقناع”

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
ماذا يريد الكاتب؟
يوضح الكاتب أنه قبل التطرق إلى عملية الإقناع ينبغي عليك أن تتحقق أولاً من مقدار تطويرك لشخصيتك الخاصة، فالشخصية هي التأثير المشترك لطريقة ارتدائك لملابسك بالإضافة إلى مدى جودة تلك الملابس، استعدادك الشخصي، خبراتك ومدى جودة مهارات العرض لديك تعتبر من أهم عناصر الإقناع.
لماذا كُتب هذا الكتاب؟
يلخص هذا الكتاب عدة أمور:
1- ‬أسلحة التأثير: ‫هناك ستة مبادئ للتأثير وهي: المُبادلة، الارتباط والاتساق، العقل الجَمعي، الوُد والحب، الثقة والنُدرة. سنعرج على تلك المبادئ واحداً تلو الآخر، مع ذِكر بعض الأمثلة التي طرحها د.شيلديني.‬
قبل أن نتعمق في المبادئ، فمن الجدير بالذكر أن نُشير إلى أن أغلب تلك المبادئ، التي هي بمثابة أسلحة التأثير، تشترك في مكونات عديدة: أول تلك المكونات هي العملية الميكانيكية التي يمكنها تفعيل قوة سلاح التأثير. على سبيل المثال، تُستثار غزيرة الأمومة لدى طائر الرومي الأم بسماعها صوت الفرخ الصغير، لكن حتى الدُمية المزودة بآلة تسجيل يصدر صوت الفرخ الصغير سيكون بمقدورها استثارة نفس الغريزة. نحن البشر لا نختلف بدرجة كبيرة عن طائر الديك الرومي في هذا الأمر.
لتوضيح ذلك بطريقة أخرى، فكُلنا لدينا نزعة للتجاوب بطريقة مُبرمجة تحت ظروف معينة؛ اتباعاً لمُثيرات معينة. لذا، فالمكون الثاني هو أن هذا التجاوب يمكن أن يُستغل بواسطة من يدركون كيف يستحثونه. المكوِّن الثالث هو أن أسلحة التأثير تلك تعمل بنفس طريقة المصارعة اليابانية. لا يحتاج الشخص الذي يستعمل أسلحة التأثير أن يكون ‘قوياً’، لكنه يحتاج فقط لأن يعرف أين ومتي يستغل تأثيرات تلك المبادئ.
هذا ما يحدث على سبيل المثال في حالة استخدام مبدأ المُقارنة، والذي يؤثر على نظرتنا تجاه أمرين تم عرضهما علينا واحداً تلو الآخر. مثلاً، عند حمل شىء خفيف ثم شىء ثقيل، سنفترض نحن أن هذا الشىء الثقيل يبدو أثقل من لو كُنّا حملناه بدون أن نحمل الشىء الخفيف أولاً. يُستخدم هذا المبدأ في تكتيكات البيع، بعرض منتج غالي الثمن أولاً، ثم عرض منتج آخر أرخص ثمناً على سبيل المثال. في تلك الحالة، سيبدو المنتج الأرخص أقل سعراً مما لو كنا عرضناه أولاً قبل عرض المنتج غالي الثمن.
2- ‬المُبادلة: ينطوي مبدأ المبادلة على أن الناس سيكونون على استعداد أكبر للامتثال للطلبات، الخدمات… إلخ، من شخص كان قد أسدى إليهم خدمةً من قبل، بغض النظر عن مدى صِغَرها. يُستخدم هذا المبدأ لدى الهندوس على سبيل المثال، والذين أدركوا أن منح زهرة صغيرة (‘هدية’) بدون مقابل قبل الدعوة إلى التبرع قد زاد بالفعل من عدد من تبرعوا، وهنا تكمُن قوة مبدأ المبادلة في أنه لا يهم مدى ضآلة ‘الهدية’، بمجرد أن يقبل الشخص تلك الهدية، يشعر هذا الشخص أنه لابد أن ينصاع لطلب من أعطاه الهدية، يشعر هذا الشخص أنه مَدين. والأسوأ من ذلك هو أننا بمجرد أن نشعر أننا مدينين بشيء ما، فإننا نمتثل لمن قدم لنا الهدية ونمنحه شيئاً ‘ذا قيمة أعلى’ من الهدية الأولى. ومقاومة هذا الأمر تكمُن في أن نحاول أن نتبين هل هذه الهدية صادقة ومخلصة، أم أن المقصود منها هو أن تجعلنا نشعر بأننا مدينين بشيء ما.
3- ‬الاتساق والارتباط
4- ‬العقل الجمعي
5- ‬الوُد والأُلفة
6- ‬الثِقة
7- ‬النُدرة ركضنا في الاتجاه الخطأ.
وهنا يتعامل معظمنا مع النجاح كأنه باب: “عندما أتخرج سأنجح، عندما أتوظف سأنجح، عندما أتزوج سأنجح”، وهذا هو أكبر فخ، لأنك عندما تصل إلى هذا الباب، ستجد خلفه باباً آخر.
وعليك إذن أن تعرف بأن النجاح الحقيقي ليس لحظة التصفيق، بل هو الانضباط اليومي الصغير الذي لا يراه أحد. أن تستيقظ عندما تريد أن تنام، أن تكمل قراءة صفحة عندما تريد أن تترك الكتاب، أن تعتذر عندما تريد أن تكابر. هذه التفاصيل المملة هي النجاح، أما الاحتفال فهو مجرد نتيجة جانبية.
وهنا يخبرك علماء النفس بأن النجاح هو مجموعة عادات، وليس مجموعة إنجازات، فالشخص الناجح ليس من فعل شيئاً عظيماً مرة واحدة، بل من فعل أشياء صغيرة صحيحة كل يوم.
لذا عليك أن تبحث في أنواع النجاح الثلاثة عن هدفك، فأولها النجاح الداخلي، بأن تنتصر على نفسك قبل أن تنتصر على العالم. أن تتحكم في غضبك، أن تدير خوفك، أن لا تكون عبداً لمزاجك، فكم من شخص يملك شركة ومالاً، لكنه ينهار من كلمة نقد واحدة؟ هذا لم ينجح داخلياً بعد، وهذا النجاح الداخلي هو أن تكون صادقاً مع نفسك، تعرف عيوبك ولا تخجل منها، وتعرف قيمك ولا تتنازل عنها.
أيضا النجاح الخارجي وهو ما يراه الناس عمل جيد، مال يكفيك، علاقات صحية، مهارة تتقنها، هذا مهم، لكنه لا قيمة له بدون النوع الأول. المال بدون سلام داخلي يصبح قلقاً، والشهرة بدون ثقة بالنفس تصبح سجناً.
وأخيرا ستجد النجاح الممتد وهو أن تترك أثراً بعدك. أن تعلم شخصاً، أن تساعد محتاجاً، أن تترك مكانك أفضل مما وجدته، هذا هو النجاح الذي لا يموت بموتك، وكثيرون حققوا النوعين الأول والثاني، لكن قليلين من حققوا الثالث، وهم من نتذكرهم.
أما عن أسباب الفشل فهي متعددة لكن لخصها المتخصصون في أربعة هي :
العدو الأول: انتظار الظروف المثالية بأن تقول :”سأبدأ عندما يكون لدي وقت، مال، دعم”، فالحقيقة أن الظروف المثالية لن تأتي أبداً، والناجحون يبدأون بما لديهم، حيث هم.
العدو الثاني: الخوف من نظرة الناس، إذ نخاف أن نبدأ صغاراً فيضحك علينا الناس، فنبقى كباراً في أعيننا فقط، صغاراً في الواقع، كل شخص ناجح تراه اليوم، كان مبتدئاً محرجاً في يوم من الأيام.
العدو الثالث: مقارنة الرحلة، فأنت ترى نتيجة نجاح غيرك بعد 10 سنوات، وتقارنها ببدايتك في اليوم الأول. هذه مقارنة ظالمة تدمر حماسك، قارن نفسك بنفسك قبل شهر فقط.
العدو الرابع: التعلق بالكمال، فأنت تريد أن يكون كل شيء 100% قبل أن تبدأ، بينما النجاح لا يحتاج الكمال، يحتاج الاستمرارية، فكتاب ناقص منشور خير من كتاب كامل في خيالك.
وهنا إذا أردت أن تحول النجاح من حلم إلى خطة، افعل هذه الخمس خطوات لمدة 90 يوماً فقط:
1. حدد نجاحاً واحداً فقط: لا تقل “أريد أن أنجح في كل شيء”، اختر مجالاً واحداً: صحتك، دراستك، عملك، علاقتك، فالنجاح يحب التركيز.
2. حوله إلى رقم: بدل “أريد أن أقرأ أكثر” قل “سأقرأ 10 صفحات يومياً”، بدل “أريد أن أوفر” قل “سأوفر 500 جنيه شهرياً”، ما لا يمكن قياسه لا يمكن تحقيقه.
3. ابنِ نظاماً لا هدفاً: الهدف هو أن تخسر 10 كيلو، النظام هو أن تمشي 30 دقيقة يوميا، الهدف يضغطك، النظام يحملك. ركز على النظام.
4. قاعدة الساعتين: خصص أول ساعتين من يومك لأهم شيء في نجاحك، قبل السوشيال ميديا وقبل طلبات الآخرين، من يملك صباحه، يملك يومه.
5. راجع كل أسبوع: كل جمعة، اجلس 20 دقيقة واسأل: ما الذي نجح؟ ما الذي لم ينجح؟ ماذا سأغير الأسبوع القادم؟ بدون مراجعة، أنت تكرر نفس الأخطاء وتسميها “حظ”.
في النهاية، أنجح الناس ليسوا أكثرهم ضجيجاً، بل أكثرهم هدوءاً، هو ذلك الشخص الذي يعمل بصمت، يتعلم بتواضع، يساعد بدون تصوير، وينام وهو يعلم أنه بذل ما عليه.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب الكتاب كل من رجال المبيعات والتسويق، والمديرين والقادة، ورواد الأعمال وأصحاب المشاريع الصغيرة، وأصحاب المهن من محامين، مدرسين، مدربين، ويوتيوبر، أيضا الداعية، وHR.
مميزات الكتاب:
الكتاب من أول صفحة بيطلب منك تعمل تمارين وتشوف نفسك وأنت بتقتنع وتتصرف بناء على الإقناع، فبتتعلم بالممارسة مش بالقراءة وحدها.
قراءة صحفية… عليك أن تؤمن بأن النجاح ليس أن تكون أفضل من الجميع، بل أن تكون أفضل من نفسك بالأمس، ولو بنسبة 1%. هذه الـ 1% اليومية، بعد سنة، تصبح 37 ضعفاً، فلا تسأل: متى سأنجح؟، لكن اسأل: ما الخطوة الصغيرة التي أستطيع أن أفعلها اليوم لتقربني من الشخص الذي أريد أن أكونه؟
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: كتاب الإقناع: فن الحصول على ما تريد
المؤلف: ديف لاكاني
دار النشر: مؤسسة هنداوي
بلد النشر: مصر
الطبعة: العربية
سنة النشر: 2016
عدد الصفحات: 205
رقم الإيداع: غير متوفر
ISBN: 8170/2016

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *