لا تقاس قوة الاقتصاد بحجم الأموال المتداولة داخله فقط، ولا بعدد المشروعات التي تقام على أرضه، وإنما بقدرته على تحويل موارده إلى إنتاج حقيقي، وفرص عمل مستدامة، ودخول قادرة على تحسين مستوى معيشة المواطنين.
ومن هنا، فإن التحدي الأساسي أمام الاقتصاد المصري لا يتمثل في تحقيق معدلات نمو مرتفعة فحسب، بل في تحديد الكيفية التي ينعكس بها هذا النمو على حياة الناس وقدرة الدولة على تمويل احتياجاتها.
يمتلك الاقتصاد المصري مقومات متنوعة، من موقع جغرافي استراتيجي، وسوق محلية كبيرة، وقاعدة بشرية واسعة، وقطاعات واعدة تشمل الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات اللوجستية، لكن امتلاك المقومات يختلف عن القدرة على استغلالها، فالفارق بين الاقتصاد الذي يستهلك الفرص والاقتصاد الذي يصنعها هو قدرته على تحويل هذه الإمكانات إلى منتجات وخدمات قابلة للمنافسة.
المشكلة ليست في نقص الفرص، بل في كيفية تحويلها إلى قيمة اقتصادية، فعندما تستورد الدولة جزءا كبيرا من احتياجاتها الإنتاجية، تظل قطاعات من نشاطها الاقتصادي مرتبطة بتوافر العملات الأجنبية وتقلبات الأسواق العالمية، وعندما تتوسع المصانع في الاعتماد على مكونات محلية، وتزداد قدرة الزراعة على تلبية احتياجات التصنيع، وتتطور الخدمات السياحية، تصبح القيمة المضافة داخل الاقتصاد أكبر، وتتحسن فرص التصدير وتوفير النقد الأجنبي.
ومن هنا، تبدو الصناعة والزراعة والسياحة حلقات متصلة، لا قطاعات منفصلة، فالمنتج الزراعي يمكن أن يتحول إلى سلعة غذائية مصنعة، والمصنع يستطيع توفير فرص عمل للموردين المحليين، والسياحة تفتح سوقا إضافية للمنتجات والخدمات المصرية. وكلما زادت الروابط بين هذه الأنشطة، اتسعت دائرة الاستفادة من النمو.
لكن بناء اقتصاد أكثر إنتاجية يحتاج إلى ما هو أبعد من ضخ الاستثمارات. فهو يتطلب بيئة أعمال مستقرة، وتمويلا مناسبا للمشروعات، وتدريبا يربط المهارات باحتياجات السوق، وسياسات تشجع المنافسة والابتكار، إلى جانب منظومة ضريبية وإجرائية واضحة تساعد المستثمر على التخطيط طويل الأجل.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل البعد الاجتماعي، إذ إن ارتفاع معدلات النمو يفقد جزءا من أثره إذا لم يصاحبه تحسن في الأجور الحقيقية، وزيادة فرص العمل الجيدة، وتراجع الضغوط التي تتحملها الأسر نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة.
المعيار الحقيقي لنجاح الاقتصاد المصري ليس فقط مقدار ما ينمو، بل نوعية هذا النمو، فالنمو القائم على الإنتاج والتصدير ورفع الإنتاجية يختلف في أثره عن النمو الذي يعتمد على توسع الاستهلاك أو تدفقات تمويلية لا تتحول إلى طاقات إنتاجية.
إن المعركة الاقتصادية الأهم في المرحلة المقبلة هي الانتقال من إدارة الضغوط اليومية إلى بناء قدرة مستدامة على توليد الدخل والثروة، وعندما تصبح المنتجات المصرية أكثر قدرة على المنافسة، وتتحول المدخرات إلى استثمارات منتجة، ويجد الشباب فرصا للعمل والإبداع، يصبح النمو الاقتصادي نتيجة لقوة الاقتصاد من الداخل، لا مجرد رقم يسجل في التقارير.







