يمثل الاستثمار أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي في مصر، في ظل توجهات تستهدف زيادة دور القطاع الخاص، وتعزيز الإنتاج المحلي، وجذب رؤوس الأموال الأجنبية، وتكشف المؤشرات الرسمية عن تحسن ملحوظ في حجم الاستثمارات المنفذة خلال العام المالي 2024/2025، بعدما ارتفعت إلى نحو 2.12 تريليون جنيه، مقابل 1.63 تريليون جنيه خلال العام المالي السابق، وفقا لبيانات الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، نقلا عن وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية.
وتعكس هذه الأرقام اتساع حجم النشاط الاستثماري، لكنها تطرح في الوقت نفسه تساؤلات بشأن مدى انعكاس الاستثمارات على الإنتاج والتشغيل والصادرات، وقدرة الاقتصاد على تحويل الأموال الموجهة للمشروعات إلى قيمة مضافة مستدامة.
سجلت الاستثمارات الخاصة نحو 1.198 تريليون جنيه خلال العام المالي 2024/2025، مقارنة بنحو 700.4 مليار جنيه في العام المالي 2023/2024، بزيادة تقارب 71.2% بالقيمة الاسمية، كما ارتفعت مساهمة الاستثمارات الخاصة في إجمالي الاستثمارات المنفذة إلى 56.5%، مقابل 43.1% خلال العام السابق.
ويعكس هذا التطور تنامي أهمية القطاع الخاص في النشاط الاستثماري، باعتباره شريكا رئيسيا في التوسع الإنتاجي، وتوفير فرص العمل، وتطوير الصناعات المحلية، وهو ما يجعل تهيئة بيئة الأعمال وتيسير الإجراءات وتوفير التمويل من العوامل الأساسية لاستمرار هذا الاتجاه.
ومع ذلك، فإن المقارنة بالقيمة الاسمية لا تعني أن الزيادة تحققت بالكامل في حجم الإنتاج الحقيقي، إذ تتأثر الأرقام بتغيرات الأسعار، وهو ما يستلزم النظر إلى مؤشرات الاستثمار الحقيقي والإنتاجية بالتوازي مع القيم النقدية.
على صعيد الاستثمار الأجنبي المباشر، سجل صافي التدفقات نحو 12.2 مليار دولار خلال العام المالي 2024/2025، مقارنة بنحو 11.1 مليار دولار في العام المالي 2023/2024، بعد استبعاد صفقة رأس الحكمة البالغة 35 مليار دولار، مقابل نحو 10 مليارات دولار في العام المالي 2022/2023.
وتشير البيانات إلى أن جذب الاستثمار الأجنبي لا يرتبط فقط بحجم التدفقات النقدية، وإنما بمدى توجيهها إلى مشروعات إنتاجية قادرة على نقل التكنولوجيا، ورفع كفاءة العمالة، وزيادة الصادرات، وتعزيز ارتباط الشركات المصرية بالأسواق العالمية.
وبحسب التوزيع القطاعي لصافي التدفقات خلال العام المالي 2024/2025، استحوذ قطاع التمويل على 16.7%، والصناعة على 16.2%، والعقارات على 15.4%، بما يعكس تنوع المجالات التي تستقطب الاستثمارات الأجنبية.
تظهر بيانات الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة وجود 12 منطقة استثمارية قائمة، تضم 1277 مشروعا، بإجمالي استثمارات يبلغ 66.3 مليار جنيه، وتوفر نحو 77.5 ألف فرصة عمل، وفقا للمؤشرات المنشورة حتى يونيو 2026.
وتبرز أهمية هذه المناطق في توفير بيئة متكاملة للمشروعات، تجمع بين الأنشطة الإنتاجية والخدمات اللازمة للتشغيل، بما يساعد على تقليل الأعباء الإدارية وتسهيل حركة الإنتاج والتوزيع.
لكن تعظيم الاستفادة من هذه المناطق يتطلب متابعة معدلات التشغيل الفعلية، ومدى استدامة الوظائف التي توفرها، وحجم الإنتاج والصادرات الناتجة عنها، حتى تتحول الأرقام المعلنة إلى نتائج ملموسة في الاقتصاد.
تشير بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية إلى أن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بلغ 5.3% خلال الربع الأول من العام المالي 2025/2026، مقابل 3.5% خلال الفترة المقابلة من العام السابق، بينما سجل نشاط الصناعة التحويلية غير البترولية نموا بنسبة 14.5%، وحقق قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات المعدل نفسه، في حين نما نشاط المطاعم والفنادق بنسبة 13.8%.
كما ارتفعت الاستثمارات الإجمالية بالأسعار الثابتة إلى 278.7 مليار جنيه خلال الربع الأول، مقابل 224.3 مليار جنيه في الفترة المقابلة، بنمو بلغ نحو 24.2%، وسجل الاستثمار الخاص الحقيقي زيادة بنسبة 25.9%، مستحوذا على نحو 66% من إجمالي الاستثمار خلال الربع.
وتكتسب هذه المؤشرات أهميتها من ارتباطها بقطاعات يمكنها دعم الإنتاج والتصدير، إذ تمثل الصناعة التحويلية مجالا رئيسيا لتعميق المكون المحلي، وتقليل الاعتماد على الواردات، وزيادة القدرة التنافسية للمنتجات المصرية.
رغم تحسن المؤشرات، فإن استمرار تدفق الاستثمارات يتطلب معالجة التحديات المرتبطة بتكلفة التمويل، وتوافر الأراضي الصناعية، وسرعة الإجراءات، واستقرار القواعد المنظمة للنشاط الاقتصادي، إلى جانب توفير العمالة الفنية المؤهلة.
كما تبرز ضرورة توجيه جانب أكبر من الاستثمارات إلى القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة المرتفعة، وفي مقدمتها الصناعات الهندسية والغذائية والدوائية، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا، والصناعات المغذية، مع ربط الحوافز الاستثمارية بمؤشرات واضحة لزيادة الإنتاج والتصدير والتشغيل.
ويظل التكامل بين الدولة والقطاع الخاص عنصرا حاسما في تحقيق هذه الأهداف، من خلال توسيع مشاركة الشركات المحلية، وتحسين فرص حصول المشروعات الصغيرة والمتوسطة على التمويل، وتطوير الخدمات اللوجستية، وتيسير نفاذ المنتجات المصرية إلى الأسواق الخارجية.
تكشف الأرقام عن تحسن في مؤشرات الاستثمار الخاص والأجنبي، وزيادة في حجم الاستثمارات المنفذة، إلى جانب نمو قطاعات صناعية وتكنولوجية مهمة، غير أن التحدي الأكبر يتمثل في الحفاظ على هذا الاتجاه وتحويله إلى نمو مستدام يشعر المواطن بعائده من خلال فرص العمل وزيادة الإنتاج وتحسين الدخول.
فنجاح الاستثمار لا يقاس فقط بتريليونات الجنيهات أو مليارات الدولارات، وإنما بما تضيفه هذه الأموال إلى الاقتصاد من مصانع تعمل، ومنتجات تنافس، وصادرات تتوسع، ووظائف مستقرة، ومن هنا تظل الأولوية لتعزيز الاستثمار المنتج الذي يضع الاقتصاد المصري على مسار أكثر قدرة على النمو ومواجهة الأزمات.







