لم تعد قضية الاستثمار في مصر تقتصر على جذب رؤوس الأموال أو الإعلان عن فرص جديدة، بل أصبحت ترتبط بمدى القدرة على تحويل هذه الفرص إلى مشروعات حقيقية تسهم في زيادة الإنتاج، وتوفير فرص العمل، وفتح مجالات جديدة أمام الشباب وأصحاب الأفكار.
هذا السؤال كان حاضرا في مناقشات المؤتمر الثاني الذي نظمه موقع «بكرة» حول الاقتصاد والاستثمار، تحت عنوان «الاستثمار في مصر.. التحديات والفرص»، بقاعة الماسة بدار المشاة، بمشاركة عدد من الوزراء السابقين والخبراء والمتخصصين في مجالات الاقتصاد والصناعة والاستثمار وريادة الأعمال.
وكشفت المناقشات أن تطوير مناخ الاستثمار لا يعتمد على عامل واحد، وإنما يحتاج إلى مجموعة من الإجراءات المتكاملة التي تبدأ من تهيئة بيئة الأعمال، وتمر بتوفير التمويل والدعم الفني، وصولا إلى تشجيع الإنتاج المحلي والاستفادة من التكنولوجيا والابتكار.
الاستثمار لا يبدأ برأس المال فقط
أحد أبرز الملفات التي تناولتها المناقشات هو الدور الذي يمكن أن تؤديه الأفكار الجديدة والمشروعات الناشئة في دعم الاقتصاد، فالكثير من المشروعات تبدأ بفكرة بسيطة، لكنها تحتاج إلى بيئة مناسبة تساعدها على التحول إلى نشاط اقتصادي قادر على الاستمرار والمنافسة.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمد البيسي، خبير الاستثمار وريادة الأعمال، أن دعم رواد الأعمال والشركات الناشئة يمثل أحد المحاور المهمة لزيادة الاستثمارات وخلق فرص عمل جديدة، موضحا أن نجاح هذه المشروعات يرتبط بتيسير الإجراءات، وتسهيل الحصول على التمويل، وتوفير الدعم الفني والاستشاري.
وتبرز أهمية هذا التوجه في إتاحة الفرصة أمام أصحاب الأفكار لتحويلها إلى مشروعات قابلة للتطبيق، بدلا من بقائها في مرحلة التخطيط، كما أن مساعدة المشروعات الصغيرة على التوسع يمكن أن تفتح مجالات جديدة للنشاط الاقتصادي، وتمنح الشباب فرصًا أكبر للمشاركة في سوق العمل.
ولا يتوقف الأمر عند توفير التمويل، إذ يحتاج رائد الأعمال إلى معلومات واضحة عن السوق، ومعرفة احتياجات العملاء، والقدرة على وضع خطة واقعية للمشروع، إلى جانب الاستفادة من الخبرات المتخصصة التي تساعده على تجاوز العقبات في المراحل الأولى.
الصناعة حلقة أساسية في معادلة النمو
يمثل تعزيز الإنتاج المحلي أحد المسارات المهمة لتحقيق الاستفادة الحقيقية من الاستثمارات، إذ لا ترتبط قيمة المشروع بحجم الأموال التي يجذبها فقط، وإنما بما يضيفه إلى الاقتصاد من إنتاج وفرص عمل وقدرة على المنافسة.
وأكد الدكتور هاني عبيد، عضو اتحاد الصناعات واستشاري ريادة الأعمال والتخطيط الاستراتيجي، أهمية تعزيز التكامل بين الصناعة وريادة الأعمال، مشيرا إلى أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة يمكن أن تسهم في توسيع النشاط الاقتصادي ورفع القدرة التنافسية للمنتجات المصرية.
ويعني هذا التكامل إتاحة الفرصة أمام المشروعات الجديدة لتقديم منتجات وخدمات تحتاج إليها المصانع والشركات الكبرى، بما يساعد على بناء سلاسل إنتاج أكثر ترابطًا، ويمنح المشروعات الصغيرة فرصًا للتوسع والوصول إلى أسواق جديدة.
كما أن الاستثمار في التكنولوجيا والابتكار أصبح ضرورة لتطوير الأنشطة الإنتاجية، وتحسين جودة المنتجات، وخفض تكاليف التشغيل، بما يعزز قدرة الشركات المصرية على المنافسة داخل السوق المحلية وخارجها.
ومن هنا، فإن توجيه الاستثمارات إلى أنشطة إنتاجية ترتبط باحتياجات السوق يمكن أن يحقق قيمة مضافة أكبر، خاصة عندما تتوافر رؤية واضحة تربط بين فرص الاستثمار والإمكانات المتاحة واحتياجات التصدير.
الطاقة المتجددة.. فرصة تتجاوز توفير الكهرباء
لم تعد الطاقة المتجددة مجرد خيار لتوفير مصادر بديلة للكهرباء، بل أصبحت أحد المجالات التي يمكن أن تفتح آفاقًا جديدة أمام الاستثمار، خاصة في ظل تزايد الاهتمام العالمي بمصادر الطاقة النظيفة وتنويع مزيج الطاقة.
وأكد المهندس أسامة كمال، وزير البترول الأسبق، أن مصر تمتلك بنية تحتية مؤهلة لاستقبال المزيد من الاستثمارات في قطاع الطاقة المتجددة، مشيرا إلى أهمية التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتعزيز مشاركة القطاع الخاص في هذا المجال.
وتتيح هذه المشروعات فرصًا استثمارية لا تقتصر على إنتاج الطاقة، وإنما تمتد إلى الأنشطة المرتبطة بتنفيذ المشروعات وتشغيلها وصيانتها، فضلا عن إمكانية خلق فرص عمل جديدة وجذب استثمارات محلية وأجنبية.
لكن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب مواصلة العمل على إزالة العقبات التي قد تواجه المستثمرين، وتوفير الإجراءات التي تساعد على تنفيذ المشروعات، إلى جانب تعزيز التعاون بين الدولة والقطاع الخاص.
ويمثل هذا القطاع نموذجا لكيفية ارتباط الاستثمار بأكثر من هدف اقتصادي في الوقت نفسه، فهو يدعم تنويع مصادر الطاقة، ويفتح مجالات جديدة للأعمال، ويساعد على تهيئة الظروف اللازمة لنمو الأنشطة الاقتصادية المختلفة.
شراكة القطاع الخاص.. من الحوار إلى التنفيذ
من جانبه، أكد الدكتور فياض عبد المنعم، وزير المالية الأسبق، أن الاقتصاد المصري بدأ يستعيد قدرًا من التوازن والتعافي، مشددًا على ضرورة تعزيز مشاركة القطاع الخاص في دعم الاستثمار والنشاط الاقتصادي.
وأوضح أن القطاع الخاص يمتلك قدرات وخبرات تساعده على التوسع في المشروعات وزيادة الإنتاج وخلق فرص العمل، وأن تعزيز دوره يحتاج إلى بيئة استثمارية أكثر وضوحًا واستقرارًا، إلى جانب تيسير الإجراءات أمام المستثمرين.
وتكشف هذه الرؤية عن أهمية توزيع الأدوار بصورة متكاملة؛ فالدولة تعمل على توفير البنية الأساسية والتشريعات والبيئة المناسبة للاستثمار، بينما يسهم القطاع الخاص في ضخ الأموال وتطوير المشروعات وتوسيع الأنشطة الإنتاجية والخدمية.
كما أن استمرار الحوار بين الحكومة ومجتمع الأعمال يساعد على التعرف على المشكلات التي تواجه المستثمرين، والوصول إلى حلول عملية تتناسب مع احتياجات السوق، غير أن أهمية هذا الحوار تظل مرتبطة بقدرته على الانتقال من طرح التحديات إلى تنفيذ إجراءات تسهم في تذليلها.
بيئة الأعمال.. التفاصيل التي تصنع الفارق
على الرغم من تعدد الفرص الاستثمارية، فإن نجاح المشروعات يرتبط بقدرة المستثمر على البدء في الوقت المناسب، والحصول على التراخيص والخدمات اللازمة، ومعرفة الإجراءات المطلوبة دون تعقيدات غير ضرورية.
ولهذا، برزت خلال المؤتمر أهمية تبسيط إجراءات تأسيس المشروعات وتشغيلها، وتوفير المعلومات اللازمة للمستثمرين، وتحديد القطاعات التي تمتلك فرصًا للنمو والتوسع.
وتكتسب هذه الجوانب أهمية خاصة بالنسبة إلى المشروعات الصغيرة والناشئة، التي قد لا تمتلك الموارد نفسها المتاحة للشركات الكبرى، إذ يمكن أن تؤدي الإجراءات المعقدة أو صعوبة الوصول إلى التمويل والخدمات الاستشارية إلى إبطاء انطلاقها أو الحد من قدرتها على التوسع.
كما أن وضوح السياسات الاقتصادية واستقرارها يساعدان المستثمرين على التخطيط بصورة أفضل، وتقييم المخاطر، واتخاذ قرارات طويلة الأجل. ومن ثم، فإن تحسين بيئة الأعمال لا يمثل إجراء إداريا فقط، بل يعد جزءا أساسيا من بناء الثقة وتشجيع الاستثمار.
مناقشات تبحث عن نتائج ملموسة
يعكس تنوع الملفات التي تناولها المؤتمر الثاني لموقع «بكرة» ترابط قضايا الاستثمار، بداية من المشروعات الناشئة والصناعة، مرورًا بالطاقة المتجددة، وصولًا إلى دور القطاع الخاص وتحسين بيئة الأعمال.
وتؤكد هذه الملفات أن جذب الاستثمارات يمثل بداية الطريق، بينما تتمثل الخطوة الأهم في توجيهها إلى أنشطة قادرة على الإنتاج والتوسع وخلق فرص عمل مستدامة.
كما تبرز أهمية التعاون بين الدولة والمستثمرين ورواد الأعمال والمؤسسات المعنية بالتمويل، حتى تتحول الأفكار إلى مشروعات قابلة للتطبيق، وتتحول الفرص المتاحة إلى نتائج يستفيد منها الاقتصاد والمواطن.
وختاما فالتحدي الحقيقي لا يكمن في امتلاك الفرص وحدها، بل في القدرة على استثمارها بكفاءة، وتوفير الظروف التي تسمح للمشروعات بالنمو والاستمرار.







