قراءة في كتاب “أنت لست ما يخبرك به عقلك”

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
ماذا يريد الكاتب؟
“أنت لست ما يخبرك به عقلك” يستكشف رسائل الدماغ الخادعة التي تبرمجنا لنفكر دائما في أفكار ضارة مثل “أنا لست جيد بما فيه الكفاية”، وتروي لنا كيف يمكن تغيير هذه الروابط بين الخلايا الدماغية من خلال تحدي هذه الرسائل وتركيز اهتمامنا في مكان آخر، في القيام بذلك، يمكننا برمجة الشبكة العصبية لدماغنا لجعلها تعمل من أجلنا، وليس ضدنا.
لماذا كُتب هذا الكتاب؟
يلخص هذا الكتاب عدة أمور، منها تعلم كيف يخدعك عقلك، وكيف تمنع ذلك: هل سبق لك أن شعرت بالتعاسة، بأنك مكتئب أو خائف من دون سبب على الإطلاق؟ تقريبا كل واحد منا، من وقت لآخر، تراوده بعض الأفكار المظلمة والمخاوف، فضلًا عن كونها شيئًا غير سار، يمكن لهذه المشاعر أن تعيقنا عقليا.‬
كثير من الناس يقضون أجزاءًا كبيرة من حياتهم بالتفاعل باستمرار مع الأفكار الغير سعيدة في أذهانهم. على سبيل المثال، بعض الناس يعانون من رهاب ساحق عندما يتحدثون أمام جمهور، آخرون يرفضون التفاعل الاجتماعي لأن عقلهم يقول لهم أنهم لا يستحقون الحب والمودة.
إذا كنت قد مررت من قبل بهذه السيناريوهات؛ هذا الكتاب يمكنه مساعدتك؛ لأن الأفكار المظلمة في عقلك لا تعبر بالضرورة عنك ، ولكن هي رسائل خاطئة من الدماغ، ولأنك لست دماغك، ليس عليك الاستماع إليها.
أحيانًا نقوم بأشياء لا نرغب فيها أو نشعر بعجز عاطفي أو عقلي عند الوجود في أماكن معينة قد لا نرغب في الذهاب إليها؛ وهذا ينتج عن رسائل الدماغ الخادعة التي تولد أفكارًا خاطئة أو نبضات فكرية ضارة لنا، تحيد بنا عن الأهداف والنوايا الحقيقية لدينا. ليس ذلك فحسب، ولكن الرسائل الخادعة في الدماغ تسبب مشاكل مثل كثرة التفكير والقلق.
أحد العملاء كان ممثلًا موهوبًا، ولكن بدأت الرسائل الدماغية الخادعة تجعله يعتقد أنه لا يستحق الأشياء الجيدة التي تحدث له؛ وهذا أدى إلى معاناته من رهاب المسرح وكذلك الشعور بأنه شخص غير محبوب لسنوات، وبصرف النظر عن تجاربه التي مر بها في طفولته، فقد تأثر من تجربة واحدة فقط عندما كان عمره 20 عامًا: فقد وقف عاجزًا أمام منتج شهير في برودواي، ومنذ ذلك الحين، عقله تجاهل صفاته الإيجابية و ركز على عيوبه.
وهذه الرسائل كاذبة والمزعجة ملأت ذهنه؛ فبدأ يتفادي الاختبارات تمامًا؛ مما عزز تلك الأفكار في ذهنه ولكنه ليس ذلك الشخص الموجود في الرسائل التي يرسلها له عقله، وحتى انت لست الشخص السيء الذي في ذهنك.
على الرغم من أنه قد يبدو أننا ليس لدينا خيار سوى اتباع ما يخبرنا به عقلنا، علينا أن نتذكر أن بيولوجيتنا ليست مصيرنا، ليس مقدر لك أن تعيش حياتك وفقا لجيناتك التي ولدت بها. لديك فعلًا القدرة على اختراق العديد من العقبات التي ورثتها عن طريق تغيير الطريقة التي يعمل بها دماغك.
كما أن قنوات الاتصال بين الشبكات العصبية في دماغك تجعل تكوين عادة جديدة أمر صعب وتسبب إحساسًا بالتوتر وعدم الراحة، لماذا عندما نعلم أننا علينا ألا نفعل شيئًا ما، مثل التدخين أو أكل الآيس كريم بشراهة، نعاود فعل ذلك مرارًا وتكرارًا؟ لماذا بأن التخلص من العادات السيئة عملية شبه مستحيلة؟
لأنه عندما نقوم بسلوك غير صحي، فإنه يشعرنا بالخلاص من الأحاسيس المؤلمة، بدوره يفهم دماغنا هذا السلوك على أنه شئ جيد لن؛ ما يعزز بدوره من هذه العادة. أحد العملاء كان مسؤولًا تنفيذي لديه شعور دائم بالضغط لأنه يعتقد أن الجميع من حوله يسعون للحصول على مشورته ومساعدته دائمًا. ولتخفيف الضغط عنه، كان يشرب كوبًا من النبيذ. المشكلة هنا، أن هذا الفعل أدى به في كثير من الأحيان إلى شرب اثنين أو أكثر من النبيذ ليتمكن من مواصلة الشعور بالاسترخاء، هذا الاسترخاء الخادع جعله يتلهف إلى شرب الكحول في كل مرة كان يشعر فيها بالتوتر ومن ثم أصبح شغفًا مستمرًا.
هذا الشيء يحدث عندما نولي اهتمامًا لرسائل عقولنا الخادعة. على سبيل المثال، إذا كان الدماغ يرسل رسالة مثل ‘أنا لست جيدًا بما فيه الكفاية’، ونحن نحاول بقوة التخلص من هذه الفكرة من خلال القيام بعادة مضرة أو مجهدة مثل تدخين سيجارة أو البحث عن رضا الآخرين عن أفعالنا، مع الوقت سوف نكون مدمنين على هذه الحلول المؤقتة.
هذا يعني، أننا ‘نغذي الوحش’ عندما نتفاعل مع رسائل الدماغ الكاذبة. نحن نسعى خلف حل مؤقت عندما ندرب عقولنا لربط السلوك الغير صحي بشعورنا بالاسترخاء.
هذا الربط غير الصحي بدوره يسبب شعورًا مؤلمًا وضاغطًا. الشيء الأكثر إثارة للقلق حول رسائل عقلنا الخادعة هي الأضرار الجسدية والعاطفية الناتجة عن التفاعل معها. على سبيل المثال، رسالة مثل ‘أنا غير محبوب ومثير للاشمئزاز’ بالنسبة لبعض الناس قد تؤدي إلى اتباع نظام غذائي قاسٍ لتقليل وزنه، مما يضع ضغطًا حقيقيًا على صحته البدنية. في كل مرة نقوم بتغذية رسائل العقل الخادعة تجعلنا ندور في حلقة مفرغة، حيث أننا نترجم هذه الرسائل الخادعة إلى أضرار مادية تؤثر علينا على المدى الطويل.
كما أن قدرة طريقة تفكيرك على تغيير دماغك، تتيح لك إعادة تشكيل الشبكات العصبية حتي تعمل من أجلك، لذا ستجد أربع خطوات لفصل العلاقة بين الأفكار الضارة وعاداتك اليومية.
الخطوة الاولي أعد تسمية هذه الأفكار الخادعة، وأطلق عليها أسماءً تصفها على ما هي عليه، والخطوة الثانية ضع هذه الأفكار في الإطار الصحيح عن طريق تغيير نظرتك إليها واعتبارها أفكارًا خاطئة وغريبة عنك
أما الخطوة الثالثة: أعد توجيه تركيزك إلى أنشطة صحية ومثمرة. حتى في وجود الأفكار الخادعة، وأخيرا الخطوة الرابعة: إعادة التقييم تشجعك على تطوير شخصيتك الصحية والمُحبة لك واعتبار أحاسيسك غير المريحة على أنها نتيجة أفكار خاطئة وخادعة.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
الكتاب يناسب أي شخص يشعر أن أفكاره تقوده، بدلاً من أن يقود هو أفكاره، ويريد أدوات علمية عملية لاستعادة التحكم، ويساعد كل من لديه تفكير زائد، أو قلق اجتماعي.
مميزات الكتاب:
يمتاز الكتاب في أنه لا يقدم تحفيزاً عابراً، بل علاجاً علمياً مبسطاً من جامعة UCLA، يفصل بينك وبين أفكارك عبر قاعدة “أنت لست مخك”، كما يمنحك طريقة عملية من أربع خطوات قابلة للتطبيق الفوري على القلق والتسويف والعادات السيئة، بلغة قصصية بسيطة بعيدة عن التعقيد، ويركز على تغيير الفعل لا انتظار تحسن الشعور، مما يجعله تدريباً حقيقياً للمرونة العصبية.
قراءة صحفية… يستهدف الكتاب القارئ العام الذي يعاني من الأفكار السلبية التلقائية، والمهتمين بالصحة النفسية والتنمية الذاتية القائمة على أساس علمي عصبي

حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: You Are Not Your Brain
المؤلف: جيفري شوارتز وريبيكا جلادينج
دار النشر: دار ملهمون أو مكتبة جرير
بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة: الطبعة الأولى
سنة النشر: 2011
عدد الصفحات: 384 صفحة
رقم الإيداع: غير متوفر
ISBN: 978-1583334836

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *