تمهيد
إفريقيا بين أموال المساعدات وفخ الاعتماد الاقتصادي
كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرها في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب
المعونة الميتة
تضع دامبيسا مويو القارئ أمام مفارقة اقتصادية تستحق التأمل وهي أن القارة التي تدفقت إليها مليارات الدولارات في صورة مساعدات دولية ما زالت أجزاء واسعة منها تواجه الفقر وضعف الإنتاج وتراجع فرص العمل والاعتماد على التمويل الخارجي فبدلًا من النظر إلى المساعدات باعتبارها حلًا تلقائيًا للأزمات تطرح المؤلفة سؤالًا أكثر صعوبة حول ما إذا كان استمرار هذا التدفق قد ساهم في تكوين منظومة اقتصادية تجعل بعض الدول أقل قدرة على الاعتماد على مواردها وبناء مستقبلها
تنطلق الفكرة الأساسية من التمييز بين المساعدة الطارئة التي تنقذ البشر عند المجاعات والكوارث والحروب وبين الاعتماد طويل الأجل على التحويلات المالية الخارجية فالأولى قد تكون ضرورة إنسانية لا غنى عنها أما الثانية فتحتاج إلى مراجعة مستمرة لأن المال حين يصل بصورة متكررة دون ارتباط واضح بزيادة الإنتاج وتحسين المؤسسات قد يتحول إلى بديل عن الإصلاح بدلًا من أن يكون وسيلة لتحقيقه
تلفت مويو الانتباه إلى أن الحكومات التي تعتمد بدرجة كبيرة على التمويل الخارجي قد تجد نفسها أقل ارتباطًا بالقاعدة الإنتاجية المحلية وأقل اضطرارًا إلى بناء علاقة قوية مع دافعي الضرائب والأنشطة الاقتصادية الوطنية فحين تصبح الموارد القادمة من الخارج عنصرًا رئيسيًا في تمويل الدولة يمكن أن تتراجع الحوافز التي تدفع إلى توسيع الاقتصاد الرسمي وتحسين الإدارة العامة ومحاسبة المسؤولين وتطوير بيئة الأعمال
لا تتوقف المشكلة عند طريقة إنفاق الأموال بل تمتد إلى طبيعة الحوافز التي تصنعها المساعدات داخل الاقتصاد فالموارد التي لا ترتبط بزيادة الإنتاجية قد تضعف المنافسة على الإصلاح وتفتح المجال أمام سوء التخصيص والفساد كما أن تدفق الأموال إلى أسواق محدودة القدرة الاستيعابية قد يخلق اختلالات في الأسعار وسعر الصرف ويزيد صعوبة نمو الشركات المحلية القادرة على المنافسة والتصدير
تتصل هذه الإشكالية كذلك بمسألة الاستثمار إذ إن المستثمر لا يبحث عن الأموال وحدها بل يحتاج إلى قواعد مستقرة ومؤسسات فعالة ونظام قانوني يمكن التنبؤ به وسوق قادرة على النمو وحين تتأخر هذه العناصر يصبح التمويل الخارجي مهما بلغ حجمه عاجزًا عن صناعة تنمية مستدامة فالتنمية الحقيقية لا تقاس بما يدخل الدولة من أموال وإنما بما تستطيع تحويله إلى مصانع وفرص عمل ومهارات وبنية إنتاجية تستمر في توليد الدخل بعد انتهاء التمويل
تدعو المؤلفة إلى البحث عن بدائل تمويلية تمنح الاقتصادات الإفريقية مساحة أكبر من الاستقلال ومن بين المسارات التي تطرحها تعزيز الاستثمار الخاص وتطوير أسواق رأس المال والاستفادة من التمويل التجاري وإقامة علاقات اقتصادية أكثر قدرة على خلق المصالح المتبادلة كما تبرز أهمية بناء بيئة تسمح للمشروعات بالنمو وتوفر للحكومات حوافز أقوى لتحسين الإدارة الاقتصادية بدلًا من انتظار دفعات جديدة من الخارج
وتكشف هذه الرؤية عن حقيقة مهمة تتجاوز القارة الإفريقية وهي أن الأموال لا تصنع التنمية بصورة آلية فالموارد المالية تحتاج إلى مؤسسات قادرة على توجيهها وإدارة شفافة تمنع إهدارها وسياسات تشجع الإنتاج وتربط الإنفاق العام بأهداف قابلة للقياس ومن دون هذه الشروط يمكن أن يتحول التمويل مهما حسنت نواياه إلى دورة متكررة من الإنفاق المؤقت والأزمات المتجددة
لكن أطروحة مويو تظل موضع نقاش اقتصادي واسع لأن المساعدات ليست كتلة واحدة متشابهة فهناك مساعدات إنسانية تنقذ الأرواح وبرامج صحية وتعليمية قد تحقق نتائج مهمة وتمويلات تسهم في مواجهة أزمات لا تستطيع الدول الفقيرة تحمل تكلفتها منفردة كما أن اختلاف التجارب الإفريقية يمنع تعميم نتيجة واحدة على قارة تضم اقتصادات وظروفًا سياسية واجتماعية شديدة التنوع ولذلك فإن قوة الفكرة لا تكمن في رفض كل مساعدة بل في اختبار نتائجها وتحديد ما إذا كانت تبني القدرة المحلية أم تعمق الاعتماد
تتجلى القيمة الأهم لهذا الطرح في إعادة ترتيب الأسئلة التي ينبغي أن تطرحها الدول النامية حول مستقبلها فبدلًا من الاكتفاء بالسؤال عن حجم التمويل الذي يمكن الحصول عليه يصبح من الضروري السؤال عن نوع الاقتصاد الذي سيبقى بعد إنفاقه وعن عدد الوظائف التي سينشئها وعن قدرته على زيادة الصادرات وتوسيع القاعدة الضريبية وتحسين حياة المواطنين فالمعيار الحقيقي ليس حجم الأموال الوافدة بل مقدار القدرة الاقتصادية التي تنمو داخل المجتمع
تخرج القراءة بفكرة جوهرية مفادها أن التنمية لا تبدأ عندما تصل الأموال بل عندما تتوافر القدرة على تحويلها إلى إنتاج ومعرفة ومؤسسات قوية واقتصاد يستطيع تمويل جانب متزايد من احتياجاته بنفسه فالمساعدات قد تكون جسرًا يعبر به المجتمع مرحلة صعبة لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى طريق دائم يؤجل بناء القوة الاقتصادية الذاتية
حقوق النشر: هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية
العنوان: المعونة الميتة
المؤلف: دامبيسا مويو
دار النشر: بنغوين بوكس
بلد النشر: المملكة المتحدة
الطبعة: طبعة ورقية صدرت عام 2010
سنة النشر: 2010
عدد الصفحات: 208 صفحات
رقم الإيداع: غير متاح
ISBN: 9780141031187







