لم يعد تأثير الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على تطوير التكنولوجيا، بل امتد إلى إعادة تشكيل سوق العمل، مع تحول طبيعة العديد من الوظائف وتزايد الطلب على مهارات جديدة، تفرض على العاملين والشركات مواكبة التغيرات المتسارعة.
وبين المخاوف من تراجع فرص العمل التقليدية والرهانات على ظهور وظائف جديدة، تقف مصر أمام فرصة لتعزيز صادرات الخدمات الرقمية وجذب استثمارات في القطاعات التكنولوجية، بشرط الاستثمار في المهارات البشرية وتأهيل العاملين لمتطلبات المرحلة المقبلة.
170 مليون وظيفة جديدة بحلول 2030
تشير توقعات المنتدى الاقتصادي العالمي إلى إمكانية خلق نحو 170 مليون وظيفة جديدة عالميًا بحلول عام 2030، مقابل إزاحة 92 مليون وظيفة، بما يحقق زيادة صافية تقدر بنحو 78 مليون وظيفة.
لكن هذه التغيرات لا تعني أن جميع العاملين سيستفيدون بالقدر نفسه، إذ يتوقع أن تتغير نحو 39% من المهارات الأساسية المطلوبة في الوظائف بحلول نهاية العقد، ما يجعل التدريب المستمر وتطوير القدرات المهنية من أبرز تحديات سوق العمل.
وتشمل الوظائف الأكثر تعرضًا للتحول بعض الأعمال المكتبية والإدارية، مثل إدخال البيانات والسكرتارية والمهام الكتابية المتكررة، في حين يتزايد الاهتمام بالوظائف المرتبطة بتحليل البيانات والبرمجيات والأمن السيبراني وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
مصر أمام فرصة لتعزيز صادرات الخدمات الرقمية
يمثل قطاع التعهيد والخدمات الرقمية أحد المجالات التي يمكن أن تستفيد من التحولات التكنولوجية، خاصة مع امتلاك مصر قاعدة من الكفاءات العاملة في الخدمات التكنولوجية وتقديم خدمات للشركات والأسواق الخارجية.
وبحسب البيانات الواردة في التقرير، بلغت صادرات مصر من خدمات التعهيد 5.2 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026، فيما وصل عدد المتخصصين العاملين في الشركات المصدرة لهذه الخدمات إلى نحو 195 ألف شخص.
ويفتح تطور الذكاء الاصطناعي المجال أمام التوسع في خدمات تتجاوز مراكز الاتصال التقليدية، لتشمل تطوير البرمجيات وتحليل البيانات والخدمات التقنية المتقدمة، وهو ما قد يدعم زيادة القيمة المضافة للصادرات المصرية ويفتح مجالات عمل جديدة.
فجوة المهارات تحدد فرص العاملين
لا يرتبط مستقبل الوظائف بمدى انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي وحدها، وإنما بقدرة العاملين على استخدامها بكفاءة. فالمهام الروتينية القابلة للأتمتة قد تتراجع أهميتها، بينما تزداد قيمة المهارات التي تتطلب التحليل والتفكير النقدي وحل المشكلات واتخاذ القرارات.
ويبرز هنا دور برامج التدريب وإعادة التأهيل المهني، خاصة للعاملين في الوظائف الأكثر تعرضًا للتحول، حتى يتمكنوا من الانتقال إلى مهام جديدة بدلًا من فقدان فرصهم مع تغير احتياجات الشركات.
كما لا يقتصر الطلب المستقبلي على المتخصصين في التكنولوجيا، بل يمتد إلى العاملين في مختلف القطاعات ممن يستطيعون دمج خبراتهم المهنية مع أدوات الذكاء الاصطناعي.
الاستثمار في الإنسان مفتاح الاستفادة
تتوقف استفادة مصر من التحول التكنولوجي على مدى قدرتها على تطوير منظومة التعليم والتدريب وربطها باحتياجات سوق العمل، إلى جانب تشجيع الشركات على الاستثمار في التكنولوجيا ورفع كفاءة العاملين.
فالتوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي قد يسهم في زيادة الإنتاجية وتحسين جودة الخدمات، لكنه يتطلب في الوقت نفسه إعداد الكفاءات القادرة على تحويل هذه التقنيات إلى قيمة اقتصادية وفرص عمل مستدامة.
وفي ظل هذه التحولات، لن يكون التحدي الأساسي هو المنافسة مع التكنولوجيا وحدها، بل امتلاك المهارات التي تسمح للعاملين بالتكيف معها والاستفادة من إمكاناتها.
وبالنسبة لمصر، فإن الفرصة لا تتعلق فقط بخلق وظائف جديدة، وإنما بزيادة قيمة العمل والإنتاج وتعزيز تنافسية الكفاءات المصرية في سوق عالمي تتغير قواعده بفعل الذكاء الاصطناعي.







