الإنتاج والتخزين والتصنيع.. ثلاثية الأمن الغذائي في مصر

الأمن الغذائي

لا يبدأ الأمن الغذائي عندما يجد المواطن احتياجاته على أرفف المتاجر، بل قبل ذلك بكثير؛ من الحقل الذي ينتج المحصول، والمصنع الذي يحوله إلى سلعة، والمخزن الذي يحافظ عليه من الفاقد، وشبكة النقل التي توصله إلى المستهلك بأقل تكلفة ممكنة، فاستقرار الأسواق ضرورة، لكنه يظل نتيجة لمنظومة اقتصادية متكاملة، لا بديلًا عن بناء هذه المنظومة.

ومن هنا، فإن التعامل مع الأمن الغذائي باعتباره قضية توفير سلع فقط يختزل أحد أهم الملفات الاقتصادية في حلقته الأخيرة، بينما تبدأ المعالجة الحقيقية من زيادة الإنتاجية، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، وتطوير التصنيع الزراعي، وتقليل الاعتماد على الخارج في السلع التي يمكن إنتاجها محليًا بكفاءة.

تمتلك مصر فرصًا لتعزيز إنتاجها الزراعي من خلال تحسين إنتاجية الأراضي القائمة، واستخدام التقاوي المناسبة، وتطوير نظم الري، وتوجيه الاستثمارات إلى المحاصيل التي تحقق أفضل استفادة اقتصادية من الموارد المائية المتاحة.

وتشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “الفاو” إلى أن إنتاج مصر من القمح خلال عام 2026 يُتوقع أن يبلغ نحو 10 ملايين طن، بزيادة تقارب 7% على المتوسط، مدفوعًا أساسًا بالتوسع في المساحة المزروعة.

كما أشارت المنظمة إلى أن الحكومة تسلمت نحو 4.7 مليون طن من القمح المحلي حتى منتصف يونيو 2026، بزيادة تقارب 20% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

وتوضح هذه المؤشرات أهمية دعم الإنتاج المحلي، لكنها تؤكد أيضًا ضرورة مواصلة العمل على رفع الإنتاجية وتقليل الفجوة بين الاحتياجات المحلية والإنتاج، وفق الإمكانات المتاحة.

لا تتوقف القضية عند حجم المحصول، بل تمتد إلى ما يحدث له بعد الحصاد. فضعف التخزين أو النقل أو التداول قد يؤدي إلى فقد جزء من الإنتاج، بما يعني إهدار المياه والطاقة والأسمدة والعمالة التي استُخدمت في إنتاجه.

وهنا تبرز أهمية الاستثمار في الصوامع والمخازن الحديثة وسلاسل التبريد ومراكز تجميع المحاصيل، بالتوازي مع توسيع الصناعات الغذائية التي تحول المنتجات الزراعية إلى سلع ذات قيمة مضافة أعلى.

فكلما تحسنت قدرة الاقتصاد على تخزين الغذاء وتصنيعه وتوزيعه بكفاءة، زادت فرص الحد من الفاقد، وتحسنت قدرة المنتج المحلي على الوصول إلى الأسواق، وتوسعت فرص العمل والاستثمار في المناطق الزراعية والصناعية.

ولا يعني تعزيز الإنتاج المحلي السعي إلى الاستغناء الكامل عن الاستيراد؛ فالأمن الغذائي يرتبط أيضًا بتوافر مصادر متنوعة للإمدادات، والقدرة على التعامل مع تقلبات الأسعار العالمية واضطرابات سلاسل التوريد.

والمطلوب اقتصاديًا هو إدارة الاستيراد بكفاءة، مع زيادة الإنتاج المحلي حيثما تتوافر الجدوى، وتنويع مصادر الشراء، وبناء احتياطيات استراتيجية مناسبة، بما يقلل التعرض للصدمات الخارجية ويحافظ على استقرار الإمدادات.

ولا يُقاس نجاح منظومة الأمن الغذائي بعدد الأفدنة المزروعة أو أطنان المحاصيل وحدها، بل بقدرتها على توفير غذاء آمن ومناسب السعر، مع الحفاظ على حقوق المنتج والمستهلك في الوقت نفسه.

إن الاستثمار في الزراعة والتصنيع والتخزين والنقل ليس إنفاقًا على قطاعات منفصلة، بل استثمار في كفاءة الاقتصاد وقدرته على مواجهة الأزمات وخلق فرص العمل وتقليل الهدر.

فالأمن الغذائي لا يبدأ من السوق، بل من اقتصاد قادر على الإنتاج بكفاءة، وإدارة موارده بذكاء، وتحويل كل مرحلة من مراحل سلسلة الغذاء إلى قيمة مضافة يستفيد منها المجتمع.

بقلم/ أحمد عبدالمنعم

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *