يمثل تثبيت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني السيادي لمصر عند مستوى «B» مع نظرة مستقبلية مستقرة إشارة إلى أن الاقتصاد المصري يمتلك مقومات للصمود، لكنه لم يتجاوز بعد التحديات التي فرضتها سنوات الضغوط المالية وارتفاع تكلفة التمويل وتقلبات الأسواق العالمية، فالقرار يعكس توازنا دقيقا بين تحسن المؤشرات الخارجية واستمرار الاختلالات الهيكلية، ويطرح سؤالا جوهريا: هل تستطيع مصر تحويل الاستقرار الحالي إلى انطلاقة اقتصادية أكثر استدامة؟
في تقديري، ستتوقف الإجابة خلال العامين المقبلين على قدرة الحكومة على الانتقال من إدارة الأزمات التمويلية إلى بناء نموذج نمو يعتمد على الإنتاج والتصدير والاستثمار الخاص، بدلا من الاعتماد المفرط على الاقتراض والتدفقات المالية قصيرة الأجل.
أولى الإشارات الإيجابية تأتي من القطاع الخارجي، فارتفاع الاحتياطيات الدولية إلى 54.4 مليار دولار، وصعود صافي الأصول الأجنبية لدى البنك المركزي إلى 19 مليار دولار في أغسطس 2026، يمنحان الاقتصاد هامشا أكبر لامتصاص الصدمات والوفاء بالالتزامات الخارجية، كما أن نمو إيرادات السياحة وتحويلات المصريين بالخارج يدعم تدفقات النقد الأجنبي ويخفف الضغوط على سوق الصرف.
لكن هذه المؤشرات، على أهميتها، لا تعني انتهاء المخاطر، فقد أظهرت تداعيات الحرب في إيران أن خروج الأموال الساخنة وارتفاع أسعار الطاقة قادران على الضغط سريعا على الجنيه والاحتياطيات، ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في جذب التدفقات الأجنبية فحسب، بل في زيادة مصادر النقد الأجنبي المستدامة، وفي مقدمتها الصادرات الصناعية والزراعية والخدمات والسياحة والاستثمار المباشر طويل الأجل.
أما الاختبار الأصعب فيظل متعلقا بالدين العام، فارتفاع أعباء خدمة الدين إلى مستويات استثنائية مقارنة بإيرادات الحكومة يحد من قدرتها على توجيه موارد كافية إلى التعليم والصحة والبنية الأساسية والحماية الاجتماعية، وإذا استمر هذا العبء دون تحسن ملموس في الإيرادات والنمو، فقد يظل التصنيف الائتماني مقيدا، حتى مع تحسن الاحتياطيات واستقرار سوق الصرف.
وفي المقابل، يحمل تراجع عجز الحساب الجاري المتوقع إلى أقل من 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول السنة المالية 2027-2028 فرصة مهمة لتعزيز الاستقرار، شرط تحقق نمو السياحة وتحسن الميزان التجاري وعدم حدوث صدمات جديدة في أسعار الطاقة، غير أن هذا السيناريو يظل مشروطا بتطورات إقليمية ودولية يصعب ضمانها.
وعلى صعيد التضخم، فإن توقع ارتفاع متوسطه إلى 12.3% خلال السنة المالية 2026-2027، بالتزامن مع احتمالات زيادة أسعار الوقود، يعني استمرار الضغوط على القوة الشرائية للأسر وتكاليف الإنتاج، وقد يؤدي ذلك إلى إبطاء تعافي الاستهلاك المحلي، ما يستدعي تنسيقا دقيقا بين السياسة النقدية والسياسات المالية والاجتماعية.
إذا مستقبل الاقتصاد المصري لن تحدده نظرة «فيتش» وحدها، بل السياسات التي تحول المؤشرات الإيجابية إلى نتائج ملموسة، فالسيناريو المتفائل يتمثل في تراجع التضخم وتحسن موارد النقد الأجنبي وانخفاض أعباء الدين تدريجيا، بما يفتح المجال لتحسن التصنيف مستقبلا، أما السيناريو الأكثر صعوبة فيتمثل في عودة الصدمات الخارجية واستمرار ارتفاع تكلفة التمويل، بما يطيل فترة الضغوط الاقتصادية.
وفي النهاية، فإن تثبيت التصنيف عند «B» ليس شهادة باكتمال التعافي، ولا حكما باستمرار الأزمة، بل فرصة لكسب الوقت والثقة، وسيكون الرهان الحقيقي على زيادة الإنتاجية، وتوسيع قاعدة التصدير، وتحفيز الاستثمار الخاص، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، عندها فقط يمكن أن تتحول النظرة المستقبلية المستقرة من محطة مؤقتة إلى خطوة نحو اقتصاد أكثر قدرة على النمو ومواجهة الأزمات.







