مصر وكوريا الجنوبية.. شراكة استراتيجية تفتح آفاق جديدة للاستثمار والتصنيع والتصدير

تدخل العلاقات الاقتصادية بين مصر وكوريا الجنوبية مرحلة جديدة، مع إعلان البلدين في 8 أكتوبر 2026 الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، بالتزامن مع إطلاق مفاوضات اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة، وذلك في خطوة تستهدف توسيع التجارة والاستثمارات وتعزيز التعاون الصناعي والتكنولوجي.

ويأتي التحرك الجديد خلال زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى سول، ليضع العلاقة الاقتصادية أمام فرصة للانتقال من التبادل التجاري التقليدي إلى شراكات أوسع في التصنيع ونقل التكنولوجيا وبناء سلاسل إمداد تخدم السوق المصرية والأسواق الإقليمية.

التجارة الثنائية: تراجع نسبي يبرز الحاجة إلى زيادة الصادرات المصرية

وتكشف أحدث البيانات التجارية بين مصر وكوريا الجنوبية عن وجود فرص كبيرة لتطوير التبادل الاقتصادي، خاصة مع وجود اختلال واضح في الميزان التجاري لمصلحة كوريا الجنوبية.

وبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 874 مليون دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، مقابل 920 مليون دولار في الفترة نفسها من عام 2025، بانخفاض يقارب 5%، وبلغت الصادرات المصرية إلى كوريا الجنوبية 58 مليون دولار، مقابل واردات بقيمة 816 مليون دولار.

وتشير هذه الأرقام إلى أن العجز التجاري المصري مع كوريا الجنوبية بلغ نحو 758 مليون دولار خلال الفترة المذكورة، وهو ما يجعل زيادة الصادرات أحد أهم الملفات المطروحة أمام الشراكة الجديدة.

الاستثمارات الكورية.. قاعدة صناعية قابلة للتوسع

على صعيد الاستثمار، ارتفعت الاستثمارات الكورية الجنوبية في مصر إلى 413.8 مليون دولار خلال السنة المالية 2024/2025، مقابل 288.3 مليون دولار في السنة السابقة، بزيادة تقارب 43.5%، وتعكس هذه الزيادة تنامي فرص التعاون بين الشركات الكورية والسوق المصرية، وإن كانت المحافظة على هذا الاتجاه تتطلب تحويل الاتفاقات الجديدة إلى مشروعات إنتاجية فعلية.

وتقدم التجارب القائمة مؤشرات على إمكانية التوسع، فوفق بيانات الحكومة المصرية، تنتج قاعدة سامسونج الصناعية في بني سويف نحو 6 ملايين جهاز إلكتروني سنويا، يصدر 85% منها إلى أكثر من 55 دولة، كما تتجاوز استثمارات «إل جي» في تصنيع الأجهزة المنزلية 340 مليون دولار، بحسب تصريحات رسمية سابقة.

وتعزز هذه النماذج أهمية جذب استثمارات جديدة في الإلكترونيات والسيارات ومكوناتها والصناعات الهندسية والدوائية، مع التركيز على زيادة المكون المحلي وتأهيل الموردين المصريين، بما يرفع القيمة المضافة ويوسع فرص العمل.

اتفاقية الشراكة الاقتصادية.. رهان على فتح الأسواق

ويمثل إطلاق مفاوضات اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة (CEPA) أحد أبرز مخرجات التقارب الجديد، ويستهدف الاتفاق المرتقب توسيع فرص التجارة والاستثمار، وتطوير التعاون الاقتصادي بما يتجاوز خفض الحواجز التجارية وحده، لكنه لا يزال في مرحلة التفاوض، وبالتالي فإن حجم المكاسب الفعلية سيتوقف على بنود الاتفاق النهائي وشروط النفاذ إلى الأسواق.

وتسعى مصر إلى استثمار موقعها الجغرافي واتفاقياتها التجارية لتكون قاعدة للإنتاج والتصدير إلى الأسواق العربية والإفريقية والأوروبية، وفي هذا الإطار، طرحت إقامة منطقة صناعية كورية متكاملة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بما يسمح للشركات الكورية بالاستفادة من البنية التحتية المصرية وموقعها اللوجستي.

إشادات واسعة من خبراء الاقتصاد

أكد الدكتور مصطفى بدرة، الخبير الاقتصادي، أهمية الارتقاء بالعلاقات المصرية الكورية الجنوبية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية والذي سيكون له مردودا إيجابيا على التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين، ويسهم في زيادة حجم التبادل التجاري وتعزيز فرص تنفيذ المشروعات ذات الأولوية المشتركة.

وأوضح بدرة، خلال تصريحات تليفزيونية، أن اهتمام مصر بالاستفادة من التجربة الكورية الجنوبية في العديد من المجالات، لا سيما التنمية والصناعة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، أمر بالغ الأهمية وسيعود بالنفع على الجميع، لافتا إلى أن تعزيز الشراكة يمكن أن يسهم في نقل الخبرات وتوسيع الاستثمارات المشتركة، ويدعم بناء رؤية اقتصادية أكثر تكاملا تحقق المصالح المتبادلة خلال المرحلة المقبلة.

وفي نفس السياق، صرح الدكتور محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، بأن كوريا الجنوبية دولة مهمة اقتصاديا وصناعيا، موضحا أن اقتصادها يتميز بالقوة والتقدم التكنولوجي وجودة الصناعات المدنية والعسكرية بما يجعله شريكا مهما لمصر.

وأوضح أن كوريا الجنوبية تمتلك إمكانات متقدمة في مجالات الاقتصاد الأخضر والطاقة المتجددة، ومنها الألواح الشمسية والابتكارات المرتبطة بها، فضلا عن الصناعات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي والشرائح الإلكترونية، مؤكدًا أن التقدم الكوري في الصناعات العسكرية يعزز أهمية التعاون مع سول في المجالات التي تجمع بين التصنيع والتكنولوجيا المتقدمة.

ما الذي تحتاج إليه مصر لتعظيم المكاسب؟

ويرتبط نجاح الشراكة الجديدة بقدرة مصر على معالجة عدد من التحديات، أهمها تسهيل الإجراءات أمام المستثمرين، وتوفير العمالة الفنية المؤهلة، وتحسين بيئة الأعمال، وزيادة تنافسية المنتجات المصرية، كما يتطلب تقليص العجز التجاري توجيه الاستثمارات الكورية نحو إنتاج سلع يمكن تصديرها، لا الاقتصار على تلبية الطلب المحلي.

وفي المحصلة، تمنح الشراكة الاستراتيجية مصر فرصة لتوسيع قاعدتها الصناعية وتعزيز تدفقات الاستثمار الأجنبي وفتح أسواق جديدة أمام صادراتها، لكن المعيار الحقيقي لنجاحها لن يكون عدد الاتفاقات الموقعة، بل حجم الاستثمارات التي تدخل حيز التنفيذ، ونسبة المكون المحلي في المنتجات، وعدد الوظائف الجديدة، ومدى نمو الصادرات المصرية إلى كوريا والأسواق الأخرى.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *