قراءة في كتاب “كيف تبقى متوقد الذهن؟”.. طور دماغك أيًّا كان عمرك

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

هل تراجع الذاكرة وضعف التركيز أمران لا مفر منهما مع التقدم في العمر؟ يرفض كتاب “كيف تبقى متوقد الذهن؟” هذا التصور، ويؤكد أن الدماغ يمتلك قدرة على التكيف والتطور، وأن العادات اليومية تؤثر في صحته وأدائه على المدى الطويل، ويجمع الطبيب سانجاي جوبتا، بمشاركة كريستين لوبرغ، بين نتائج الأبحاث المتعلقة بالدماغ ونصائح عملية تساعد على تعزيز القدرات الذهنية والحفاظ عليها في مراحل العمر المختلفة.

لا يقتصر الهدف على تحسين الذاكرة أو سرعة التفكير، بل يمتد إلى دعم القدرة على التعلم، والتكيف مع المتغيرات، واتخاذ القرارات، والتعامل مع تحديات الحياة بمرونة أكبر.

الدماغ قادر على التغير والتطور

من الأفكار الأساسية في الكتاب مفهوم المرونة العصبية، أي قدرة الدماغ على التكيف وتعديل بعض اتصالاته استجابة للتعلم والخبرات، وهذا يعني أن التقدم في العمر لا يلغي إمكانية اكتساب مهارات جديدة أو تطوير القدرات المعرفية، وإن كانت سرعة التعلم وطريقته تختلفان من شخص إلى آخر.

لذلك، ينصح الكتاب بعدم الاكتفاء بالأنشطة المعتادة، بل البحث عن تجارب تتحدى العقل، مثل تعلم لغة جديدة، أو اكتساب مهارة مختلفة، أو قراءة موضوعات غير مألوفة، فالتعلم المستمر يمنح الدماغ فرصًا جديدة للنشاط، ويسهم في بناء ما يعرف بالاحتياطي المعرفي، الذي يساعد على التعامل مع التغيرات المرتبطة بالعمر.

الحركة أساس لصحة العقل

لا تقتصر فوائد النشاط البدني على تحسين اللياقة وصحة القلب، بل تمتد إلى دعم وظائف الدماغ، ولهذا يشجع الكتاب على جعل الحركة جزءًا ثابتًا من الحياة اليومية، بدلًا من قضاء ساعات طويلة في الجلوس.

ولا يتطلب الأمر بالضرورة ممارسة تمارين شاقة؛ إذ يمكن أن يكون المشي المنتظم نقطة بداية مناسبة، مع اختيار النشاط الملائم للقدرات والحالة الصحية، والأهم هو الاستمرار، لأن العادات البسيطة التي تتكرر بانتظام قد تكون أكثر فائدة من خطط مكثفة يصعب الالتزام بها.

النوم والغذاء والراحة

يؤكد الكتاب أن كفاءة الدماغ ترتبط بصحة الجسم عمومًا، ولذلك لا يمكن التعامل مع الذاكرة والتركيز بمعزل عن النوم والتغذية والحالة الصحية، فالنوم الجيد يدعم العمليات الذهنية، بينما قد يؤدي الحرمان المستمر منه إلى التأثير سلبًا في الانتباه والأداء اليومي.

كذلك، لا توجد وجبة سحرية تضمن ذكاءً استثنائيًا، بل يعتمد الاهتمام بصحة الدماغ على نمط غذائي متوازن ومستدام، إلى جانب العناية بصحة القلب والأوعية الدموية ومتابعة عوامل الخطر، مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري.

ويولي الكتاب أهمية أيضًا للراحة وإدارة التوتر، لأن الضغط المستمر قد يستنزف الطاقة الذهنية ويؤثر في جودة الحياة، ومن ثم، فإن تنظيم أوقات الراحة ليس مضيعة للوقت، بل جزء من العناية بالقدرات العقلية.

العلاقات الاجتماعية تحفز الدماغ

لا يعمل الدماغ بمعزل عن البيئة المحيطة، فالتواصل مع الآخرين والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية يمنحان الإنسان فرصًا للحوار والتفكير وتبادل الخبرات، وعلى العكس، قد تؤثر العزلة المستمرة في جودة الحياة والصحة العامة.

ومن هنا، يشجع الكتاب على الحفاظ على العلاقات الاجتماعية، والمشاركة في أنشطة مشتركة، وإتاحة الفرصة للنقاش وتبادل الأفكار، كما يدعو إلى عدم الاكتفاء بألعاب الذاكرة أو الألغاز باعتبارها وسيلة وحيدة لتنشيط العقل؛ فصحة الدماغ تحتاج إلى مجموعة متكاملة من العادات، تشمل الحركة والتعلم والنوم والغذاء والتواصل.

متى يصبح النسيان مدعاة للقلق؟

يفرق الكتاب بين النسيان العابر، الذي قد يحدث لأي شخص، وبين التغيرات المستمرة والمتزايدة في الذاكرة أو التفكير أو القدرة على أداء المهام اليومية، فنسيان اسم أو البحث عن غرض مفقود لا يعني بالضرورة وجود مشكلة خطيرة، لكن تكرار الصعوبات بصورة تؤثر في الحياة المعتادة يستدعي استشارة الطبيب والتقييم المناسب.

كما يحذر الكتاب من الاعتماد على المكملات الغذائية أو الحلول السريعة باعتبارها ضمانًا للحفاظ على القدرات العقلية، مشددًا على أهمية نمط الحياة المتكامل والمتابعة الصحية عند الحاجة.

خمس ركائز لحياة ذهنية أفضل

يلخص الكتاب رؤيته في خمس ركائز مترابطة: الحركة، والاكتشاف، والاسترخاء، والتغذية الجيدة، والتواصل الاجتماعي، ويعني ذلك أن الحفاظ على نشاط الدماغ لا يحتاج إلى خطوة واحدة استثنائية، بل إلى مجموعة من الممارسات التي تدعم بعضها بعضًا.

ويمكن البدء بتغييرات بسيطة، مثل المشي يوميًا، وتخصيص وقت لتعلم شيء جديد، واحترام مواعيد النوم، والاهتمام بالغذاء، والحفاظ على التواصل مع الأصدقاء والعائلة، ومع الوقت، يمكن تطوير هذه العادات وفقًا لاحتياجات كل شخص وقدراته.

في النهاية، يقدم “كيف تبقى متوقد الذهن؟” رسالة تقوم على الأمل والعمل بدلًا من الخوف من الشيخوخة، فالعمر وحده لا يحدد مستقبل القدرات العقلية، كما أن اتباع نمط حياة صحي لا يضمن منع جميع الأمراض المرتبطة بالدماغ، لكنه يمنح الإنسان فرصة أفضل لدعم صحته الذهنية والجسدية.

والسؤال الأهم ليس كيف نحافظ على عقولنا عندما نتقدم في العمر، بل ماذا يمكننا أن نفعل اليوم لدعم قدرتنا على التعلم والتكيف غدًا؟

خلاصة الكتاب في نقاط:

آمن بقدرة دماغك على التطور: المرونة العصبية تتيح للدماغ التكيف والتعلم في مراحل العمر المختلفة.

واصل التعلم: اكتساب لغة أو مهارة جديدة يساعد على تنشيط القدرات الذهنية.

اجعل الحركة عادة: النشاط البدني المنتظم يدعم صحة الدماغ ووظائفه المعرفية.

اهتم بالنوم: الراحة الكافية ضرورية للذاكرة والانتباه والأداء الذهني.

تناول غذاءً متوازنًا: صحة الدماغ ترتبط بالتغذية الجيدة وصحة الجسم عمومًا.

خفف التوتر: إدارة الضغوط تمنحك قدرة أفضل على التركيز والتعامل مع التحديات.

حافظ على علاقاتك: التواصل الاجتماعي يوفر فرصًا للحوار والتعلم وتبادل الخبرات.

نوّع أنشطتك الذهنية: لا تعتمد على الألغاز وحدها، بل ابحث عن تجارب تحفز التفكير والتعلم.

انتبه للتغيرات المستمرة: مشكلات الذاكرة التي تؤثر في الحياة اليومية تستدعي التقييم الطبي.

التزم بعادات متكاملة: الحركة والاكتشاف والاسترخاء والتغذية والتواصل ركائز تدعم صحة الدماغ.

يناسب كل من يرغب في الحفاظ على ذاكرته وتركيزه وتطوير قدراته العقلية مع التقدم في العمر، كما يفيد من يريد فهم العلاقة بين نمط الحياة وصحة الدماغ، وتبني عادات يومية تدعم التعلم والمرونة الذهنية.

نقاط القوة:

يوضح مفهوم المرونة العصبية وأهمية التعلم المستمر.

يربط صحة الدماغ بعادات الحياة اليومية.

يقدم خمس ركائز عملية يمكن تطبيقها تدريجيًا.

يوازن بين التفاؤل بشأن القدرات العقلية والتنبيه إلى أهمية التقييم الطبي عند الحاجة.

الكلمة الأخيرة:

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر:

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.

وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان: كيف تبقى متوقد الذهن؟

المؤلف: سانجاي جوبتا وكريستين لوبرغ

دار النشر: الدار العربية للعلوم ناشرون

بلد النشر: بيروت ـ لبنان

الطبعة: الأولى

سنة النشر: 2021

عدد الصفحات: 352

ISBN : 9786140266612

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *