تمهيد:
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
الفكرة الرئيسية
يعيد كتاب «أسرار الحملة على مصر.. العدوان الثلاثي ١٩٥٦» فتح ملف واحدة من أهم المواجهات في التاريخ المصري الحديث، من خلال رواية كتبها الأخوان الفرنسيان ميري وسيرج برومبرجر، اللذان عملا مراسلين حربيين خلال أحداث العدوان.
وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من أن مؤلفيها ينتميان إلى دولة شاركت في الحملة العسكرية على مصر، بما يتيح للقارئ الاطلاع على جانب من الطريقة التي نظر بها صحفيان فرنسيان إلى الأحداث، وكيف قدّما أسباب الفشل وتداعياته.
صدرت النسخة الأصلية من الكتاب في فرنسا في مطلع عام ١٩٥٧، بعد أشهر قليلة من أحداث العدوان، ثم ظهرت له طبعات وترجمات لاحقة. وتقدم الطبعة العربية الصادرة عن وكالة الصحافة العربية عام ٢٠٢٥ النص بوصفه وثيقة صحفية وتاريخية تستحق القراءة، مع ضرورة التمييز بين شهادة المؤلفين وتفسيرهما للأحداث من ناحية، والوقائع التاريخية التي يمكن التحقق منها من مصادر متعددة من ناحية أخرى.
لماذا كُتب هذا الكتاب؟
جاء الكتاب في أعقاب أزمة سياسية وعسكرية كشفت حدود القوة العسكرية عندما تصطدم بحسابات السياسة الدولية، وبقدرة الدولة المستهدفة على تحويل المواجهة إلى قضية تتجاوز حدودها الجغرافية. فقد ارتبط العدوان الثلاثي بتأميم مصر قناة السويس في يوليو ١٩٥٦، ثم بدأت إسرائيل هجومها على سيناء في ٢٩ أكتوبر، قبل تدخل القوات البريطانية والفرنسية في منطقة القناة.
لم تكن الأحداث مجرد مواجهة عسكرية بين جيوش، بل ارتبطت بأسئلة أوسع حول السيادة الوطنية، والتحكم في الممرات المائية، ومصالح القوى الكبرى، ومستقبل النفوذ الاستعماري في المنطقة. ومن هنا تبدو أهمية العودة إلى نص كُتب في زمن قريب من الأحداث، حين كانت تفاصيل الأزمة وتداعياتها لا تزال حاضرة في النقاش العام.
شهادة من داخل المعسكر الفرنسي
من أهم ما يلفت الانتباه في الكتاب أن مؤلفيه لم يكتبا من موقع بعيد تماماً عن الحدث؛ فقد حضرا إلى بورسعيد مع قوات الغزو، كما زارا تل أبيب، وفقاً للمقدمة المنشورة في الطبعة العربية. وهذا الموقع يمنح شهادتهما قيمة في دراسة الصورة التي نقلها صحفيان فرنسيان عن الحملة، لكنه لا يجعل روايتهما بالضرورة محايدة أو مكتملة.
فالصحفي الذي يقترب من الحدث قد يشاهد تفاصيل لا تظهر في البيانات الرسمية، لكنه يظل متأثراً بمصادر معلوماته، والجهة التي يعمل معها، والظروف التي يتحرك داخلها، والتصورات السياسية السائدة في بلاده. ولذلك فإن قراءة الكتاب لا تتوقف عند ما يرويه المؤلفان، بل تمتد إلى سؤال آخر: ما الذي اختارا إبرازه، وما الذي وضعاه في الخلفية، وكيف فسّرا مسؤولية الأطراف المختلفة عن النتيجة؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من قيمة الشهادة، بل تساعد على التعامل معها بوصفها مصدراً تاريخياً له حدوده، يحتاج إلى المقارنة والمراجعة.
العدوان الثلاثي.. ما وراء المواجهة العسكرية
يتيح الكتاب العودة إلى السياق الذي سبق العدوان، وفي مقدمته قرار تأميم قناة السويس، وما أثاره من صدام مع بريطانيا وفرنسا، إلى جانب الحسابات الإسرائيلية المرتبطة بمصر والمنطقة. وقد تداخلت هذه المصالح في مسار انتهى بتنسيق عسكري بين الدول الثلاث، وإن اختلفت دوافع كل طرف وحساباته.
وتكشف قراءة الأزمة أن القرارات العسكرية لا يمكن فهمها بمعزل عن البيئة السياسية التي اتُّخذت فيها. فامتلاك القوة لا يعني بالضرورة القدرة على فرض النتيجة المطلوبة، كما أن التفوق العسكري لا يضمن تحقيق الأهداف السياسية التي وضعتها القيادة قبل بدء العمليات.
ومن المهم هنا ألا تختزل قراءة العدوان في تفاصيل المعارك وحدها؛ إذ تظل الأسئلة المتعلقة بشرعية التدخل، وحق الدول في إدارة مواردها، وحدود استخدام القوة، وتأثير الرأي العام الدولي، عناصر أساسية لفهم الأزمة. كما أن تناول هذه القضية يتطلب الفصل بين الوقائع الأساسية المعروفة عن مسار العدوان وبين التفسيرات التي يقدمها المؤلفان لأسباب تعثره.
من المسؤول عن الفشل؟
تشير المقدمة التي صاحبت الطبعة العربية إلى أن المؤلفين أقرا بفشل الحملة، لكنهما حاولا تحميل بريطانيا قسطاً كبيراً من المسؤولية عن الهزيمة، بما يخفف المسؤولية عن فرنسا وإسرائيل. وهذه النقطة من أكثر جوانب الكتاب إثارة للنقاش؛ لأنها تنقل القراءة من وصف الأحداث إلى تحليل الطريقة التي توزّع بها المسؤولية في الروايات السياسية.
ففي أعقاب الحروب والأزمات، لا تتنافس الأطراف على تفسير النتائج فقط، بل على صياغة الذاكرة التي ستبقى عنها. وقد يسعى كل طرف إلى تقديم نفسه باعتباره أقل مسؤولية، أو إلى إظهار أن الإخفاق نتج عن أخطاء حلفائه، أو عن ظروف لم تكن في حسبانه.
ومن ثم، لا ينبغي أن يكون السؤال مقتصراً على معرفة الطرف الذي حمّله المؤلفان مسؤولية الفشل، وإنما يجب أن يمتد إلى الأدلة التي استندا إليها، والوقائع التي اعتمدا عليها، ومدى اتساق تفسيرهما مع المصادر الأخرى. فالمذكرات والشهادات الصحفية مهمة، لكنها لا تغني عن الوثائق الرسمية والدراسات التاريخية والمقارنة بين روايات الأطراف المختلفة.
الإعلام وصناعة الرواية التاريخية
يمثل الكتاب مدخلاً مناسباً لمناقشة دور الصحافة في كتابة التاريخ، خصوصاً عندما يعمل الصحفي داخل منطقة نزاع أو يرافق قوات عسكرية. ففي هذه الظروف، لا يكون نقل الوقائع مجرد عملية تسجيل لما يحدث، بل يتضمن قرارات تتعلق بالمعلومات التي تُنشر، والشخصيات التي تُمنح مساحة للكلام، والمصطلحات التي توصف بها الأحداث.
وقد تتباين الروايات بشأن الواقعة نفسها، لا بسبب اختلاف المعلومات وحده، وإنما نتيجة اختلاف المواقع السياسية والثقافية التي ينطلق منها أصحابها. وهنا تظهر أهمية قراءة المصادر الأجنبية إلى جانب المصادر المصرية والعربية، لا باعتبار أن أحدها صحيح بالضرورة والآخر خاطئ، بل لأن المقارنة قد تكشف اختلاف المصالح والتصورات، وتساعد على فهم ما غاب عن كل رواية.
وتزداد هذه المسألة أهمية عندما يتعلق الأمر بحدث له مكانة خاصة في الذاكرة الوطنية. فالتعامل مع التاريخ لا يعني الاكتفاء بالرواية التي توافق توقعات القارئ، كما لا يعني منح كل رواية الدرجة نفسها من المصداقية، وإنما فحص الأدلة وتحديد ما يمكن إثباته وما يظل تفسيراً أو رأياً.
بين الوثيقة التاريخية والرأي السياسي
من الضروري قراءة «أسرار الحملة على مصر» في ضوء زمن كتابته؛ فالكتاب ظهر بعد العدوان بفترة قصيرة، حين كانت الأطراف المعنية لا تزال تتعامل مع آثار الأزمة وتداعياتها. وهذه المسافة الزمنية المحدودة تمنحه قيمة من حيث قربه من الحدث، لكنها قد تحد في الوقت نفسه من قدرة المؤلفين على رؤية جميع أبعاده، أو الاطلاع على الوثائق التي لم تكن متاحة آنذاك.
كما أن انتماء المؤلفين إلى بلد شارك في الحملة يجعل من الضروري الانتباه إلى اللغة المستخدمة في وصف الأطراف، وإلى الطريقة التي يفسران بها قرارات الحكومات ومسؤولياتها. ولا يكفي أن يقر الكاتب بفشل عملية عسكرية حتى تصبح بقية استنتاجاته صحيحة تلقائياً؛ فكل ادعاء يحتاج إلى تقييم مستقل وفق الأدلة المتاحة.
ومن هنا، يمكن التعامل مع الكتاب باعتباره شهادة صحفية ذات قيمة في دراسة الخطاب الفرنسي حول العدوان، وليس مرجعاً وحيداً يحسم جميع الخلافات المتعلقة بأسبابه ومسؤوليات أطرافه. وتظل مقارنته بمصادر تاريخية أخرى خطوة ضرورية لكل من يريد تكوين صورة أوسع عن الأزمة.
ماذا يقدم الكتاب للقارئ اليوم؟
تتجاوز أهمية الكتاب حدود استعادة أحداث عام ١٩٥٦؛ فهو يطرح أسئلة لا تزال حاضرة في فهم العلاقات الدولية: كيف تتعامل الدول مع الأزمات التي تمس مصالحها الاستراتيجية؟ وكيف تتوزع المسؤولية بين الحلفاء عندما تفشل عملية مشتركة؟ وإلى أي مدى يمكن أن تختلف الرواية التي تقدمها دولة عن الحدث عن رواية الدولة التي وقعت عليه؟
كما يفتح الباب أمام قراءة العلاقة بين القوة العسكرية والشرعية السياسية، وبين السيطرة الميدانية والقدرة على تحقيق الأهداف. وهي أسئلة تساعد القارئ على فهم التاريخ باعتباره مجالاً لتحليل المصالح والقرارات والنتائج، لا مجرد تسلسل للتواريخ والمعارك.
ويقدم الكتاب كذلك فرصة لفهم أهمية الصحافة الحربية بوصفها مصدراً من مصادر التاريخ، مع ضرورة مراعاة ظروف إنتاجها وحدودها. فالقرب من الحدث ميزة مهمة، لكنه لا يضمن وحده الموضوعية، مثلما أن الانتماء إلى طرف في الصراع لا يلغي بالضرورة كل قيمة لما يرويه صاحبه، وإنما يجعل فحص روايته أكثر ضرورة.
خلاصة الكتاب
تتمثل القيمة الأساسية لكتاب «أسرار الحملة على مصر.. العدوان الثلاثي ١٩٥٦» في إتاحة نافذة على الطريقة التي تناول بها صحفيان فرنسيان الحملة العسكرية التي شاركت فيها بلادهما، وعلى تفسيرهما لأسباب فشلها وتوزيع المسؤولية بين أطرافها.
ويجمع الكتاب بين أهمية الشهادة القريبة زمنياً من الحدث وبين ضرورة التعامل النقدي مع الرواية التي يقدمها، خصوصاً أن مقدمته العربية تشير إلى محاولة المؤلفين تحميل بريطانيا جانباً كبيراً من المسؤولية؛ ولذلك فإن القراءة الأكثر فائدة لا تتعامل مع الكتاب باعتباره حكماً نهائياً على العدوان، بل بوصفه مادة للنقاش والمقارنة، تساعد على فهم تداخل الصحافة والسياسة والذاكرة التاريخية، وتؤكد أن الوصول إلى صورة أكثر اكتمالاً يتطلب الاستعانة بمصادر متنوعة وفحص الأدلة قبل تبني الاستنتاجات.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب الكتاب المهتمين بتاريخ مصر الحديث، والباحثين في العدوان الثلاثي وأزمة قناة السويس، ودارسي العلاقات الدولية والاستعمار والتحولات السياسية في المنطقة. كما يفيد الصحفيين وطلاب الإعلام الراغبين في فهم قيمة الشهادات الصحفية وحدودها عند توثيق الحروب والأزمات، ويقدم مادة قابلة للنقاش في دراسات الذاكرة الوطنية وتاريخ الصحافة.
تتمثل أبرز نقاط القوة في قرب النص من الأحداث التي يتناولها، وفي أن مؤلفيه ينتميان إلى بلد شارك في الحملة، بما يسمح بفحص جانب من الرؤية الفرنسية للأزمة. كما أن الكتاب يتيح للقارئ دراسة العلاقة بين الشهادة الصحفية والتفسير السياسي، ويقدم فرصة للمقارنة بين الروايات المختلفة بشأن مسؤولية الأطراف عن نتيجة العدوان.
أما بالنسبة لـ نقاط الضعف، فإن الكتاب يحتاج إلى قراءة نقدية بسبب موقع المؤلفين السياسي والمهني، وبسبب ما تشير إليه مقدمة الطبعة العربية من انحياز في توزيع مسؤولية الفشل. كذلك فإن صدور العمل بعد الأحداث بفترة قصيرة لا يضمن اكتمال المعلومات التي اعتمد عليها، ولا يغني عن مراجعة الوثائق والدراسات اللاحقة. ولا يمكن الحكم على دقة كل تفصيل في الكتاب من خلال بيانات النشر والمقدمة وحدهما؛ بل يتطلب ذلك مراجعة النص كاملاً ومقارنته بمصادر مستقلة.
ملاحظات يمكن مناقشتها
هل تساعد شهادة صحفيين من دولة شاركت في العدوان على فهم الصورة التي تكوّنت داخلياً عن الحملة؟ وإلى أي مدى يمكن الفصل بين المشاهدة المباشرة والتفسير السياسي؟ وهل يؤدي تحميل أحد أطراف التحالف مسؤولية الفشل إلى توضيح ما حدث، أم قد يصبح وسيلة لتخفيف المسؤولية عن أطراف أخرى؟ وكيف يمكن للباحث أن يوازن بين الشهادات المعاصرة للأحداث والوثائق التي ظهرت لاحقاً؟
هذه الأسئلة تجعل الكتاب مناسباً للقراءة المقارنة، لا للاكتفاء بروايته وحدها.
الكلمة الأخيرة
ليست أهمية «أسرار الحملة على مصر» في أنه يقدم الكلمة الأخيرة بشأن العدوان الثلاثي، بل في أنه يتيح للقارئ الاقتراب من شهادة كُتبت في أعقاب الحدث، صاغها مؤلفان من داخل المجتمع الذي شارك في الحملة.
وتكمن فائدة قراءته في فحص الرواية، ومناقشة تفسيرها للأحداث، ومقارنتها بما تقوله المصادر الأخرى، فالتاريخ لا يُقرأ من نافذة واحدة، والوعي به لا يكتمل بتكرار الروايات، وإنما بمحاولة فهم الوقائع ومصالح أصحابها وحدود ما يستطيع كل مصدر إثباته.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.
وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
عنوان الكتاب: أسرار الحملة على مصر.. العدوان الثلاثي 1956
المؤلفان: ميري وسيرج برومبرجر
الناشر: وكالة الصحافة العربية – ناشرون
سنة الطبعة العربية: 2025
عدد الصفحات: 117 صفحة
رقم الترقيم الدولي (ISBN): 9789779919843
رقم الإيداع: 26639/2024
التصنيف: تاريخ مصر الحديث، العدوان الثلاثي، الصحافة الحربية والعلاقات الدولية
اللغة: العربية







