عندما يخدعك عقلك باسم الراحة.. كيف تتحول من أسير للعادات إلى صانع لنجاحك؟

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصارا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابا للتأمل أكثر مما تقدم أحكاما نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

ويأتي كتاب “كَمَّلي مولي” أو “Kammali Mole” للمؤلف السريلانكي تشاندانا سورياباندارا، ليضع القارئ أمام سؤال شديد القرب من حياته اليومية، هل نحن فعلا كسالى، أم أن عقولنا مصممة بطبيعتها للبحث عن الطريق الأسهل والأقل استهلاكا للطاقة، ومن هذا السؤال يبدأ المؤلف رحلة في علم النفس وتطوير الذات، محاولا تفسير لماذا نؤجل، ولماذا نهرب من المهام الصعبة، ولماذا نكرر بعض العادات رغم معرفتنا بأنها لا تخدم مصالحنا.

ويؤكد الكتاب أن الاختلاف بين الإنسان الناجح والإنسان الذي يعاني في الوصول إلى أهدافه لا يكمن بالضرورة في امتلاك عقل مختلف، وإنما في الطريقة التي يستخدم بها كل شخص عقله، وهي الفكرة التي تجعل الكتاب أقرب إلى دعوة لإعادة اكتشاف القدرات الكامنة داخل الإنسان، لا إلى محاكمة الإنسان بسبب لحظات ضعفه أو تراجعه.

١ـ رسالة الكاتب للقارئ

يحاول تشاندانا سورياباندارا أن يغير الصورة التقليدية التي تربط التأجيل والفتور بما يسمى “الكسل”، فالإنسان قد يعرف ما يجب عليه فعله، وقد يمتلك القدرة على فعله، لكنه يجد نفسه فجأة يبحث عن أي طريق آخر أكثر راحة، يتصفح هاتفه، يؤجل المهمة، يغير الأولويات، أو يقنع نفسه بأن الوقت لم يحن بعد.

ومن هنا تأتي رسالة الكاتب، لا تحارب نفسك قبل أن تفهمها، ولا تصف عقلك بأنه عدوك قبل أن تعرف كيف يعمل، فالعقل الذي يبحث عن الراحة ليس عقلا فاشلا بالضرورة، وإنما هو عقل يحاول توفير الطاقة وتجنب الجهد والمخاطر، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الآلية الطبيعية إلى نمط دائم يمنع الإنسان من الإنجاز والنمو.

فالراحة إذا جاءت بعد العمل تصبح مكافأة، وإذا جاءت بدلا من العمل تصبح عائقا، والفرق بين الاثنين هو الوعي، والوعي هنا ليس معرفة المشكلة فقط، وإنما اكتشاف اللحظة التي يبدأ فيها العقل في البحث عن أقصر طريق، ثم امتلاك القدرة على دفعه خطوة أخرى إلى الأمام.

٢ـ العقل الذي يحب الطريق الأقصر

تقوم الأفكار الأساسية للكتاب على أن الدماغ البشري يميل بصورة طبيعية إلى توفير الطاقة وتجنب الجهد، ولذلك قد يختار الإنسان أحيانا الحل الأسهل حتى عندما يكون الحل الأصعب أكثر فائدة على المدى الطويل، وهذه الفكرة تشكل المدخل الذي يبني عليه المؤلف رؤيته حول ما يسميه “العقل الكسول”، وهو ليس وصفا لشخصية الإنسان، وإنما تعبير عن ميل ذهني يمكن فهمه وإعادة توجيهه.

ويحاول الكتاب نقل القارئ من مرحلة لوم الذات إلى مرحلة فهم الذات، لأن الإنسان الذي يكتفي بترديد عبارة “أنا كسول” يغلق باب التغيير، بينما الإنسان الذي يسأل “لماذا أؤجل؟” يبدأ في اكتشاف الأسباب، وقد يكون السبب خوفا من الفشل، أو شعورا بأن المهمة أكبر من قدرته، أو اعتيادا على المكافأة السريعة، أو هروبا من الملل، أو مجرد رغبة في البقاء داخل منطقة الراحة.

وهنا تتقاطع أفكار الكتاب مع علم النفس الاجتماعي أيضا، لأن الإنسان لا يعيش بعيدا عن الآخرين، فالأسرة والمدرسة والعمل والأصدقاء والمقارنات الاجتماعية كلها تشكل تصوراتنا عن النجاح والفشل، وقد يدفع ضغط المجتمع الإنسان إلى السعي، لكنه قد يدفعه أيضا إلى الإحباط عندما يقارن نفسه بصورة الآخرين بدلا من قياس تقدمه مقارنة بنفسه.

٣ـ بعد القراءة التحليلية للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استندا عليها الكاتب وهي أن:

أولى هذه النقاط أن الدماغ ليس خصما للإنسان، وإنما منظومة تحتاج إلى الفهم والتدريب، فالعقل الذي تعود على الهروب من الجهد يمكن تدريبه على مواجهة التحدي، والعادة التي صنعت التأجيل يمكن استبدالها بعادة تقود إلى الإنجاز، والطريق يبدأ بمحاولة صغيرة، ثم محاولة أخرى، ثم يتحول التكرار إلى قدرة، والقدرة إلى عادة، والعادة إلى أسلوب حياة.

النقطة الثانية أن النجاح لا يرتبط دائما بامتلاك قدرات خارقة، فالكتاب ينطلق من فكرة أن أدمغة البشر متشابهة في بنيتها الأساسية، وأن الفارق الكبير قد يظهر في طريقة الاستخدام والتدريب والممارسة، ولذلك فإن الإنسان لا ينبغي أن ينظر إلى نجاح الآخرين باعتباره دليلا على نقصه، بل باعتباره فرصة للسؤال عن العادات والاستراتيجيات التي صنعت هذا النجاح.

أما النقطة الثالثة فهي أهمية المحاولة المتكررة، فالمؤلف لا يقدم النجاح باعتباره ضربة حظ أو لحظة إلهام، وإنما باعتباره مسارا من المحاولات، وقد تكون المحاولة الأولى مرتبكة، والثانية ناقصة، والثالثة أفضل، لكن الإنسان الذي يستمر في المحاولة يغير علاقته بالفشل، فيتحول الفشل من نهاية إلى معلومة، ومن صدمة إلى خبرة، ومن عائق إلى طريق.

النقطة الرابعة أن الإنسان يجب ألا يقيس إمكاناته بإمكانات الآخرين، لأن لكل شخص ظروفه وطاقته وخبرته وإيقاعه الخاص، والمقارنة المستمرة قد تحول تطوير الذات إلى سباق مرهق لا يصل فيه الإنسان إلى خط النهاية، بينما القياس الحقيقي يبدأ من سؤال أكثر عدلا، هل أصبحت اليوم أفضل مما كنت عليه بالأمس.

٤ـ الفئة التي يستهدفها المؤلف من خلال كتابه:

يستهدف الكتاب بصورة أساسية كل شخص يشعر بأنه قادر على الإنجاز لكنه لا يستثمر قدراته كما ينبغي، ويشمل ذلك الطلاب والموظفين وأصحاب المشروعات وكل من يعاني من التأجيل وضعف التركيز وصعوبة الالتزام بالعادات الجديدة.

كما يخاطب الكتاب الأشخاص الذين يعتقدون أن قدراتهم محدودة، ويحاول أن يمنحهم زاوية مختلفة للنظر إلى أنفسهم، فبدلا من التعامل مع الضعف باعتباره حكما نهائيا، يدعو إلى النظر إليه باعتباره نقطة يمكن البدء منها.

ويصلح الكتاب أيضا للآباء والمعلمين وكل من يتعامل مع الأطفال والشباب، لأن فهم طريقة عمل العقل يساعد على تغيير لغة التعامل مع الفشل، فبدلا من وصف الطفل بأنه “كسول” يمكن البحث عن السبب الذي يجعله يتجنب المهمة، وبدلا من زيادة الضغط يمكن بناء طريقة تجعل التعلم أكثر قدرة على جذب الانتباه وتحفيز الاستمرار.

ومن هذه الزاوية يتحول الكتاب من نص لتطوير الذات إلى مساحة للحوار بين الفرد والمجتمع، بين ما نطلبه من الإنسان وما يستطيع فعله، بين ضغط النتائج وحاجة العقل إلى التدرج، وبين الرغبة في النجاح والحاجة إلى فهم الطريق.

٥ـ أما عن نقاط القوة والضعف في الكتاب فقد أشار الكاتب إلي:

من أهم نقاط قوة الكتاب أنه يحاول تبسيط أفكار مرتبطة بالدماغ والعلوم المعرفية وتحويلها إلى لغة قريبة من القارئ، كما أنه لا يكتفي بالحديث عن المشكلة، وإنما يحاول تقديم وسائل عملية لإعادة تنظيم التفكير وكسر الأنماط التي تعيق الإنتاجية والنمو الشخصي، وهو ما توضحه دار النشر في تقديمها للكتاب باعتباره محاولة لترجمة أفكار علم الأعصاب إلى أدوات واقعية يمكن تطبيقها في الحياة اليومية..

ومن نقاط قوته أيضا أنه لا ينظر إلى الإنسان باعتباره آلة يجب أن تعمل بلا توقف، وإنما يضع فكرة الراحة والجهد في إطار أكثر تعقيدا، فالإنسان يحتاج إلى الراحة، لكن المشكلة في أن تصبح الراحة غاية دائمة، ويحتاج إلى التحفيز، لكن المشكلة في أن يعتمد دائما على التحفيز الخارجي، ويحتاج إلى النجاح، لكن المشكلة في أن يتحول النجاح إلى مقارنة مستمرة بالآخرين.

أما نقطة الضعف التي يمكن مناقشتها فتتعلق بمفهوم “العقل الكسول” نفسه، فقد يكون جذابا وسهل التذكر، لكنه قد يؤدي إذا فهم بصورة حرفية إلى تبسيط مشكلات أكثر تعقيدا، لأن ضعف التركيز أو التأجيل لا ينتج دائما عن الرغبة في الراحة، وقد يرتبط أحيانا بالضغط أو البيئة أو طبيعة المهمة أو الحالة النفسية أو الظروف الاجتماعية، ولذلك ينبغي التعامل مع فكرة الكتاب باعتبارها إطارا تفسيريا مفيدا، لا تفسيرا وحيدا لكل أشكال التعثر.

كما أن الانتقال من فهم آليات العقل إلى تغيير السلوك يحتاج إلى وقت وانضباط، فلا يكفي أن يعرف الإنسان لماذا يؤجل حتى يتوقف عن التأجيل، لأن المعرفة بداية الطريق، أما الاستمرار فهو الاختبار، وبين أن تعرف وأن تفعل مسافة لا يقطعها إلا التدريب.

٦ـ ومن خلال القراءة التحليلية للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش:

أول هذه المفاهيم هو “الكسل”، وهل الكسل صفة ثابتة في الإنسان أم سلوك قابل للتغيير، فالقراءة المتأنية للكتاب تقود إلى الاحتمال الثاني، لأن الإنسان قد يكون نشيطا في مجال وخاملا في مجال آخر، وقد ينجز مهمة طويلة لأنه يحبها بينما يؤجل مهمة قصيرة لأنه يخشاها أو يراها مملة، وبالتالي فإن وصف الإنسان بالكسل قد يخفي وراءه سؤالا أكثر أهمية، ماذا يحدث داخل العقل عندما يواجه مهمة لا يريد القيام بها.

المفهوم الثاني هو منطقة الراحة، وهي ليست مكانا جغرافيا وإنما حالة نفسية، يشعر فيها الإنسان بأنه يعرف ما يحدث وأن المخاطر محدودة، لكن استمرار البقاء فيها قد يحرم الإنسان من التجربة، والتجربة هي المعمل الذي تتكون فيه الخبرة، ولذلك فإن تطوير الذات لا يعني الخروج من الراحة طوال الوقت، وإنما توسيع حدودها تدريجيا، خطوة بعد خطوة، حتى يصبح ما كان صعبا بالأمس عاديا اليوم.

المفهوم الثالث هو المقارنة الاجتماعية، فالإنسان يرى نفسه كثيرا من خلال عيون الآخرين، وقد يعتقد أنه أقل نجاحا لأن شخصا آخر سبق إليه، لكن المقارنة غير المنضبطة قد تجعل الإنسان يعيش حياة ليست حياته، يطارد أهدافا لم يخترها، ويقيس نفسه بمقاييس لم يصنعها، ومن هنا تصبح معرفة الذات أهم من مراقبة الآخرين.

أما المفهوم الرابع فهو الإرادة، فالكتاب يدفع القارئ إلى التفكير في أن الإرادة ليست مجرد شعور بالحماس، وإنما قدرة على تكرار الفعل حتى عندما يغيب الحماس، فالإنسان لا يستطيع أن ينتظر دائما اللحظة التي يشعر فيها بالرغبة في العمل، لأن الإنجاز في كثير من الأحيان يبدأ قبل الرغبة، ثم تأتي الرغبة بعد البداية، ويأتي الإتقان بعد التكرار.

وفي النهاية يمكن القول إن القيمة الحقيقية لفكرة الكتاب لا تكمن في إقناع القارئ بأنه يستطيع تحقيق كل شيء، وإنما في دفعه إلى اكتشاف ما يستطيع تحقيقه بالفعل، فالتنمية الحقيقية لا تبدأ من سؤال “كيف أصبح أفضل من الجميع”، وإنما من سؤال أكثر إنسانية وواقعية، “كيف أصبح أفضل من نفسي التي كنت عليها بالأمس”.

الكلمة الأخيرة

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلا عنه، وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، وينصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملا.

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان: “Kammali Mole” أو “The Lazy Brain”

المؤلف: Chandana Sooriyabandara

دار النشر: M D Gunasena & Company

بلد النشر: سريلانكا

الطبعة: الطبعة السريلانكية الأصلية باللغة السنهالية

سنة النشر: 2024

عدد الصفحات: 268 صفحة، وتورد بعض المتاجر السريلانكية 267 أو 269 صفحة بحسب بيانات النسخة.

رقم الإيداع: غير متاح في السجلات المفتوحة التي أمكن التحقق منها

ISBN: 9789552132957 للنسخة السنهالية

بينما تحمل الترجمة الإنجليزية الرسمية بعنوان “Lazy Brain” رقم  ISBN 9789552134869 .

 

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *