تعليم الأبناء في زمن الذكاء الاصطناعي.. استثمار في المهارة قبل الشهادة

لم يعد السؤال الذي يشغل الأسرة اليوم هو: أي جامعة سيدخلها ابني؟ أو أي شهادة سيحصل عليها؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: ماذا يستطيع أن يفعل بهذه الشهادة عندما يدخل سوق العمل؟

لسنوات طويلة، ارتبط مفهوم الاستثمار في الأبناء بالإنفاق على التعليم، وكلما ارتفع مستوى المدرسة أو الجامعة، شعر الأهل بأنهم وضعوا أبناءهم على الطريق الصحيح، لكن سوق العمل تغير بصورة أسرع من المناهج، وظهرت مجالات جديدة، واختفت وظائف أو تقلص الطلب عليها، وأصبحت المهارات العملية والقدرة على التعلم المستمر أكثر أهمية من مجرد امتلاك مؤهل دراسي.

جواز المرور إلى الوظيفة

الشهادة الجامعية لا تزال مهمة، لكنها لم تعد وحدها جواز المرور إلى الوظيفة، فصاحب العمل لا يبحث فقط عن شخص يحمل مؤهلًا، وإنما عن شخص يستطيع أن يضيف قيمة، ويحل مشكلة، ويتعامل مع التكنولوجيا، ويتعلم بسرعة، ويتواصل بوضوح، ويعرف كيف يحول ما تعلمه إلى ممارسة حقيقية.

وهنا يجب أن يتغير مفهوم الاستثمار في تعليم الأبناء، فالإنفاق على التعليم لا ينبغي أن يتوقف عند المصروفات الدراسية والدروس والكتب، وإنما يمتد إلى بناء شخصية قادرة على التعلم، وإكساب الطفل لغة قوية، ومهارات رقمية، وقدرة على التفكير النقدي، والتواصل، والعمل الجماعي، وإدارة الوقت، والتعامل مع الأدوات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي.

المشكلة أن بعض الأسر ما زالت تنظر إلى التعليم باعتباره طريقًا مستقيمًا، مدرسة ثم جامعة ثم وظيفة، بينما الواقع أصبح أكثر تعقيدًا، فقد يبدأ الشاب في تخصص ثم يجد أن السوق تغير، أو يكتشف أن الوظائف المرتبطة بتخصصه أصبحت أقل، أو يجد نفسه ينافس أشخاصًا من دول مختلفة عبر منصات العمل عن بُعد.

لذلك، فإن أهم ما يمكن أن تمنحه الأسرة لأبنائها ليس إجابة جاهزة عن وظيفة المستقبل، وإنما القدرة على التعامل مع مستقبل لا نعرف شكله بالكامل.

قابلية التعلم

الاستثمار هنا يصبح في “قابلية التعلم”، لأن المهارة التي يحتاجها الشاب بعد عشر سنوات قد لا تكون المهارة التي نعتقد اليوم أنها الأهم، لكن الشخص الذي اعتاد التعلم والتجربة وتطوير نفسه سيكون أكثر قدرة على الانتقال من مجال إلى آخر، ومن وظيفة إلى أخرى، دون أن يبدأ حياته المهنية من نقطة الصفر كل مرة.

وهذا لا يعني أن ندفع أبناءنا جميعًا إلى البرمجة أو الذكاء الاصطناعي أو أن نجعل كل طفل مشروعًا لرائد أعمال، فليس المطلوب أن نلغي التعليم التقليدي، وإنما أن نضيف إليه ما ينقصه، وأن نمنح الطالب فرصة لاكتشاف قدراته قبل أن يختار مستقبله.

قد يكون أحد الأبناء موهوبًا في التكنولوجيا، وآخر في التصميم، وثالث في التجارة، ورابع في البحث والتحليل، وخامس في مهنة عملية يحتاجها السوق، والاستثمار الحقيقي هو أن نساعد كل واحد منهم على اكتشاف المسار الذي يستطيع أن يبدع فيه، بدلًا من دفع الجميع إلى القالب نفسه.

عصر الذكاء الاصطناعي

وفي عصر الذكاء الاصطناعي، يصبح هذا الأمر أكثر إلحاحًا، لأن بعض المهام التي كانت تحتاج إلى ساعات من العمل البشري يمكن إنجازها اليوم بأدوات تقنية خلال دقائق، وهو ما يعني أن قيمة الإنسان في سوق العمل ستتجه بصورة متزايدة إلى ما يصعب اختزاله في أداة، مثل الحكم، والإبداع، والتفكير، والقدرة على اتخاذ القرار، وفهم احتياجات الآخرين، وتحمل المسؤولية.

من هنا، فإن السؤال الحقيقي أمام الأسرة ليس: “كم دفعنا في تعليم ابننا؟”، وإنما: “ماذا أصبح ابننا قادرًا على فعله بسبب هذا الاستثمار؟”

فقد تنفق أسرة أموالًا ضخمة على التعليم، ثم يخرج الابن بشهادة لا يعرف كيف يستخدمها، بينما تنفق أسرة أخرى بصورة أقل، لكنها تمنح ابنها لغة ومهارة وخبرة وتجربة وقدرة على التعلم، فيدخل سوق العمل وهو يعرف كيف يبدأ، وكيف يتطور، وكيف يصنع لنفسه فرصة عندما لا تأتيه الوظيفة التي ينتظرها.

الاستثمار في الأبناء إذن لا يبدأ من الشهادة وينتهي عند التخرج، بل يبدأ من بناء الإنسان ويستمر طوال حياته.

وفي سوق عمل يتغير كل يوم، قد تصبح أعظم شهادة هي أن يعرف الشاب كيف يتعلم، وأقوى وظيفة هي أن يمتلك القدرة على صناعة قيمة، وأذكى استثمار يمكن أن تقوم به الأسرة هو أن تربي ابنًا لا يخاف من المستقبل، لأنه تعلم كيف يواجهه.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *