ينطلق إبراهيم العيسوي في هذا الكتاب من ملاحظة أساسية مفادها أن قضية العدالة الاجتماعية لم تفقد أهميتها رغم التحولات الاقتصادية والسياسية التي شهدها العالم، بل عادت لتفرض نفسها بقوة مع اتساع مظاهر التفاوت في توزيع الدخل والثروة، وتراجع بعض سياسات الرفاه الاجتماعي، وتصاعد الاعتماد على اقتصاد السوق.
وفي الحالة المصرية، ارتبطت هذه القضية بما تراكم من مظاهر الفقر والتفاوت والحرمان، ثم تجدد الأمل في تحقيق العدالة الاجتماعية مع ثورة يناير.
ومن هنا يحاول الكتاب الانتقال بالقضية من مستوى الشعار العام إلى البحث في معناها وشروط تحقيقها وعلاقتها بالنمو والتنمية وبالنموذج الاقتصادي والاجتماعي الذي تتبناه الدولة.
هذه القراءة ليست اختصارا للكتاب، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتربطها بالواقع النفسي والاجتماعي، وتفتح بابا للتأمل أكثر مما تقدم أحكاما نهائية.
لماذا كتب هذا الكتاب؟
جاء الكتاب في سياق تصاعد الاهتمام بقضية العدالة الاجتماعية، خصوصا بعد ثورات الربيع العربي والثورة المصرية، وفي ظل الحاجة إلى تدقيق المفهوم نفسه وعدم تركه في صورة شعار واسع يمكن تفسيره بطرق مختلفة.
وينطلق العيسوي من دراسة شواهد اللامساواة في مصر والعالم العربي والعالم، متتبعا التحولات التي شهدتها السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وما صاحبها من تغيرات في توزيع الدخل والثروة وتراجع بعض سياسات الرفاه والإنفاق الاجتماعي.
ولا يتعامل المؤلف مع العدالة الاجتماعية باعتبارها قضية منفصلة عن التنمية، بل يربط بينهما بصورة مباشرة؛ فالعدالة، في تصوره، لا تتحقق بمجرد إجراءات محدودة أو حلول مؤقتة، وإنما تحتاج إلى معالجة العوامل والسياسات والقوانين التي تعوق الوصول إليها، وإلى نماذج تنموية أكثر قدرة على تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة.
يلخص هذا الكتاب عدة أمور
يبدأ الكتاب برصد ما يسميه حقبة جديدة من الظلم الاجتماعي، موضحا أن العالم شهد في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى أوائل سبعينيات القرن الماضي تحسنا في أوضاع قطاعات شعبية واسعة في عدد من الدول، قبل أن تعود مظاهر التفاوت إلى الظهور بقوة مع التحولات الاقتصادية والسياسية اللاحقة، ويركز العيسوي على التفاوت في توزيع الدخل والثروة، وعلى أثر تراجع سياسات الرفاه والاتجاه نحو اقتصاد السوق وتقليص الإنفاق الاجتماعي الحكومي في اتساع فجوات اجتماعية واقتصادية مختلفة.
ثم ينتقل إلى محاولة تحديد معنى العدالة الاجتماعية، فلا يحصرها في المساواة الحسابية بين الأفراد، وإنما يناقش علاقتها بالمساواة وحقوق الإنسان وإشباع الحاجات الأساسية وتكافؤ الفرص والعدل الاقتصادي والفقر والنظام الاجتماعي والحرية، إضافة إلى العدالة بين الأجيال والعدالة البيئية، وبذلك يقدم المفهوم باعتباره قضية واسعة متعددة الأبعاد، لا يمكن اختزالها في مؤشر اقتصادي واحد أو مطلب اجتماعي منفرد.
وفي الفصل الخاص بالعلاقة بين العدالة الاجتماعية والنمو والتنمية، يناقش الكتاب العلاقة المعقدة بين تحقيق النمو الاقتصادي وبين توزيع ثماره، موضحا أن ارتفاع معدلات النمو لا يعني بالضرورة تحقق العدالة الاجتماعية إذا لم تنعكس نتائج التنمية على مختلف فئات المجتمع، ومن هنا تصبح العدالة مرتبطة بطبيعة النموذج التنموي نفسه وبكيفية توزيع الموارد والفرص وثمار التنمية.
بعد ذلك يتعمق المؤلف في البحث عن النموذج التنموي الملائم، محاولا تقييم البدائل المختلفة في ضوء قدرتها على تحقيق التنمية والعدالة، مع التأكيد على أن الوصول إلى العدالة الاجتماعية ليس عملية فورية، وإنما مسار يحتاج إلى تغيير السياسات وإزالة العوائق التي تحول دون تحققها.
ويولي الكتاب اهتماما خاصا بمصر، فيناقش المرحلة التي أعقبت الثورة من خلال الفصل الذي يحمل عنوان “مصر بين جدل النهايات وجدل البدايات”، واضعا التحولات المصرية في إطار أوسع يتعلق بمستقبل النموذج الاقتصادي والاجتماعي وإمكانات التغيير.
وفي الفصل الأخير ينتقل إلى آفاق تحقيق العدالة الاجتماعية، بما يفتح النقاش حول السياسات والنماذج التي يمكن أن تقود إلى تنمية أكثر عدلا واستدامة.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب الكتاب الباحثين والمهتمين بالاقتصاد والسياسة والتنمية وعلم الاجتماع، وكل من يريد فهما أكثر عمقا لمفهوم العدالة الاجتماعية وعلاقته بالنموذج الاقتصادي. كما يفيد المهتمين بتطور الاقتصاد المصري والثورة المصرية، والقراء الذين يرغبون في الانتقال من التعامل مع العدالة الاجتماعية كشعار عام إلى فهم أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وشروط تحقيقها.
مميزات الكتاب
يتميز الكتاب بأنه لا يتعامل مع العدالة الاجتماعية من زاوية واحدة، وإنما يجمع بين تحليل مظاهر اللامساواة ومناقشة المفهوم نفسه وعلاقته بالنمو والتنمية والنماذج الاقتصادية.
كما يمنح الحالة المصرية مساحة خاصة، ويضعها ضمن سياق عربي ودولي أوسع، وهو ما يجعل الكتاب محاولة للربط بين التحليل النظري والواقع العملي، ومن نقاط قوته كذلك أنه لا يقدم العدالة الاجتماعية كحل سريع أو إجراء منفرد، وإنما يناقشها باعتبارها مسارا مرتبطا بإصلاحات أوسع في السياسات والنماذج التنموية.
قراءة صحفية
أهمية الكتاب صحفيا أنه يعيد طرح سؤال يتكرر في المجتمعات مع كل أزمة اقتصادية: هل يكفي أن ينمو الاقتصاد حتى يشعر المواطن بتحسن حقيقي في حياته؟ الإجابة التي يفتح الكتاب باب مناقشتها هي أن النمو في حد ذاته لا يكفي، إذا ظلت ثماره موزعة بصورة غير عادلة، وإذا لم تصاحبه سياسات تقلل الفقر والتفاوت وتوسع فرص الحصول على الخدمات والموارد.
ومن هذه الزاوية، تصبح العدالة الاجتماعية أكثر من مجرد الحديث عن الأجور أو الأسعار أو الدعم، إنها ترتبط بقدرة المجتمع على إتاحة فرص متكافئة أمام أفراده، وبمدى استفادة الفئات المختلفة من ثمار التنمية، وبطبيعة القوانين والسياسات التي تنظم توزيع الموارد والفرص. ولذلك فإن أهمية الكتاب لا تكمن فقط في عرضه لمظاهر الظلم الاجتماعي، وإنما في محاولته تفسير جذورها وربطها بالنموذج التنموي الذي يحكم عملية الإنتاج والتوزيع.
وتزداد أهمية هذه الرؤية عند قراءة الحالة المصرية، لأن ثورة يناير جعلت العدالة الاجتماعية واحدة من المطالب الرئيسية إلى جانب العيش والحرية والكرامة الإنسانية. ومن هنا ينظر العيسوي إلى المرحلة التي أعقبت الثورة باعتبارها لحظة اختبار لإمكان الانتقال من المطالب العامة إلى سياسات قادرة على معالجة جذور الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية.
في النهاية، يقدم الكتاب العدالة الاجتماعية باعتبارها قضية ممتدة لا يمكن حسمها بإجراء واحد أو خلال فترة زمنية قصيرة، وإنما تحتاج إلى مسار تنموي طويل يوازن بين النمو وتوزيع ثماره، ويزيل العوائق التي تحول دون وصول المجتمع إلى قدر أكبر من الإنصاف.
وهذه هي القيمة الأساسية التي يمكن للقارئ أن يخرج بها من الكتاب: أن السؤال عن العدالة لا ينفصل عن السؤال عن نوع التنمية التي يريدها المجتمع، ومن يستفيد منها، وكيف توزع نتائجها بين أفراده وأجياله.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
– العنوان: العدالة الاجتماعية والنماذج التنموية: مع اهتمام خاص بحالة مصر وثورتها
– المؤلف: د. إبراهيم العيسوي
– دار النشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
– مكان النشر: الدوحة/بيروت
– الطبعة: الطبعة الأولى
– سنة النشر: 2014
– عدد الصفحات: 398 صفحة
– الرقم الدولي المعياري للكتاب (ISBN): 9789953029795







