لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تكنولوجيا جديدة ستغير بعض الوظائف أو تساعد الشركات على إنجاز أعمالها بشكل أسرع، بل أصبح واحدا من أهم العوامل التي ستعيد تشكيل الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة.
نحن أمام تحول قد يشبه في تأثيره الثورة الصناعية، لكن بسرعة أكبر بكثير، لأن الآلة هذه المرة لا تستبدل القوة البدنية فقط، وإنما تدخل إلى مساحة التفكير والتحليل والكتابة والبرمجة واتخاذ القرار.
أعتقد أن أكبر تأثير للذكاء الاصطناعي سيكون في الإنتاجية الشركة التي تستطيع استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل صحيح قد تنجز في ساعات ما كان يحتاج إلى أيام، وقد تتمكن من تقديم خدمات أكبر بعدد أقل من العاملين.
وهذا يعني انخفاض بعض التكاليف وارتفاع القدرة على المنافسة، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالا صعبا حول مستقبل الوظائف التقليدية.
وهنا لا أرى أن السيناريو الأكثر واقعية هو اختفاء العمل البشري، وإنما تغير طبيعته.
ستختفي بعض المهام، وستتراجع قيمة وظائف تعتمد على الأعمال الروتينية، بينما سترتفع قيمة الإنسان الذي يعرف كيف يستخدم التكنولوجيا ويوجهها ويراجع نتائجها.
لذلك فإن المنافسة في سوق العمل مستقبلا لن تكون بين الإنسان والآلة فقط، وإنما بين إنسان يستخدم الذكاء الاصطناعي وإنسان لا يستخدمه.
لكن الخطر الأكبر في رأيي لا يتعلق بالوظائف وحدها، وإنما باحتمال اتساع الفجوة بين الدول والشركات.
الدول التي تمتلك البنية التكنولوجية والبيانات ومراكز الحوسبة والكوادر المتخصصة ستجني جزءا أكبر من ثمار الاقتصاد الجديد، بينما قد تجد الدول الأقل استعدادا نفسها مستهلكة للتكنولوجيا بدلا من أن تكون منتجة لها.
وسيكون لهذا التحول تأثير مباشر على التجارة والاستثمار وأسواق المال.
الشركات التي تنجح في بناء نماذج أعمال تعتمد على الذكاء الاصطناعي قد تتحول إلى قوى اقتصادية ضخمة، بينما تواجه شركات أخرى خطر فقدان قدرتها على المنافسة.
كما أن المستثمرين سيعيدون تقييم القطاعات وفقا لقدرتها على الاستفادة من التكنولوجيا الجديدة.
أما بالنسبة لمصر والدول العربية، فأرى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحول من تحد إلى فرصة حقيقية، خصوصا في مجالات الصناعة والخدمات المالية والصحة والتعليم والزراعة والطاقة.
لكن الاستفادة لن تأتي بمجرد شراء التكنولوجيا، وإنما ببناء كوادر قادرة على إنتاجها وتطويرها وتوطينها.
في النهاية أن الاقتصاد العالمي يقف أمام مرحلة جديدة لن يكون فيها الذكاء الاصطناعي قطاعا منفصلا عن الاقتصاد، بل جزءا من بنيته الأساسية والسؤال الحقيقي لم يعد: هل سيغير الذكاء الاصطناعي الاقتصاد؟ بل أصبح: من سيستفيد من هذا التغيير، ومن سيدفع ثمن التأخر عنه؟







