تمر علينا ذكرى نصر أكتوبر المجيد، فتتجدد في وجدان المصريين مشاعر العزة والكرامة، ويزداد الفخر حين نستعيد قصص الأبطال الذين عبروا قناة السويس إلى الضفة الشرقية، لكن الحقيقة أن العبور في السادس من أكتوبر 1973 لم يكن مجرد عبور لمجموعة من الجنود إلى أرض سيناء، وإنما كان عبورًا أعظم؛ عبورًا من الهزيمة إلى النصر، ومن الإحباط إلى الأمل، ومن الظلام إلى النور، ومن اليأس إلى الرجاء.
وفي هذه الذكرى الثالثة والخمسين لنصر أكتوبر، نستعيد لحظة فارقة في تاريخ الوطن، حين أثبت المصريون أن المستحيل ليس قدرًا، وأن الإرادة حين تجتمع مع التخطيط والعمل تستطيع أن تغير واقعًا ظن البعض أنه غير قابل للتغيير.
عبر أبطال القوات المسلحة قناة السويس إلى الضفة الشرقية، واقتحموا الساتر الترابي وخط بارليف، وأقاموا رؤوس الكباري، لتبدأ واحدة من أعظم صفحات التاريخ العسكري المصري.
ولم يكن هذا العبور مجرد انتقال من ضفة إلى أخرى، وإنما كان عبورًا لحاجز نفسي ومعنوي صنعته تداعيات هزيمة 1967، واستعادةً لثقة المصريين في قدرتهم على المواجهة والانتصار.
وكان الرئيس الراحل أنور السادات يدرك أن الطريق إلى النصر يمر عبر جسر بين اليأس والرجاء، وأن الأمة التي تفقد الأمل تفقد قدرتها على الفعل.
ولذلك جاء العبور ليعيد إلى المصريين ثقتهم بأنفسهم، ويثبت أن الإرادة الوطنية قادرة على تجاوز أصعب اللحظات.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد العبور مجرد ذكرى عسكرية نحتفل بها كل عام، وإنما أصبح معنى متجذرًا في الشخصية المصرية؛ فمصر التي عبرت قناة السويس تحت نيران العدو، قادرة بإرادة أبنائها وعون الله على عبور كل تحدٍ يواجهها.
فالعبور الحقيقي لا يتوقف عند ساحات القتال، وإنما يمتد إلى معارك البناء والتنمية والحفاظ على الدولة وتحقيق الاستقرار. وبعد نصر أكتوبر، بدأت مصر مرحلة جديدة من العمل من أجل بناء دولة منتصرة واستعادة مكانتها، وسار الرئيس الراحل أنور السادات في طريق تثبيت دعائم الدولة والوصول بالوطن إلى بر الأمان، ثم واصل الرئيس الراحل محمد حسني مبارك مسيرة الحفاظ على الدولة واستقرارها، مستندًا إلى خبرته العسكرية وإدراكه لطبيعة التحديات التي واجهت مصر.
ومرت مصر بعد ذلك بسنوات صعبة، شهدت تحولات واضطرابات وتحديات داخلية وخارجية، وتولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة مسؤولية إدارة البلاد في مرحلة دقيقة، استطاعت خلالها الدولة أن تتجاوز مخاطر كثيرة وتحافظ على كيانها، حتى استكملت مؤسساتها طريقها واستعادت قدرتها على العمل والبناء.
ثم جاءت مرحلة الرئيس عبد الفتاح السيسي، التي حملت تحديات مختلفة، في مقدمتها مواجهة الإرهاب، والحفاظ على الدولة، والتعامل مع أزمات اقتصادية عالمية، إلى جانب ما شهدته المنطقة من تحولات وصراعات وضغوط متلاحقة.
وفي هذه المرحلة، كان على مصر أن تعبر من جديد؛ تعبر خطر الإرهاب وأفكار التطرف والظلام، وتعبر أزمات الاقتصاد، وتعبر آثار الأزمات العالمية، وتمضي في الوقت نفسه في تنفيذ مشروعات قومية كبرى، ودعم البنية الأساسية، وتحسين الخدمات، وبناء قدرات الدولة.
قد تختلف طبيعة المعارك من زمن إلى آخر، لكن الثابت أن مصر لم تتوقف يومًا عن العبور.
وفي كل مرة كانت التحديات تبدو أكبر من القدرة على تجاوزها، كان المصريون يثبتون أن هذه الدولة تمتلك من الإرادة والصبر والقدرة ما يمكنها من مواصلة الطريق.
ولعل كلمات الشاعر عبد الرحمن الأبنودي تلخص هذا المعنى بصورة شديدة الدلالة:
«مصر عارفة وشايفة وبتصبر
لكنها في خطفة زمن تعبر
وتسترد الاسم والعناوين»
وهذا هو الدرس الأهم الذي يمكن أن نستمده من نصر أكتوبر في زمننا الحالي: أن الأوطان لا تعبر أزماتها بالتمني، ولا تتجاوز تحدياتها باليأس، وإنما بالإيمان بقدرتها على النهوض، وبالعمل، والصبر، وتحمل المسؤولية.
لقد عبر أبطال أكتوبر من أجل أن تبقى مصر، وعلينا اليوم أن نكمل معنى العبور في ميادين أخرى؛ أن نعبر التحديات الاقتصادية، وأن نعبر آثار الأزمات الإقليمية والدولية، وأن نواصل بناء الدولة، وأن نحافظ على ما تحقق، وأن نؤمن بأن المستقبل لا يصنعه الخوف من الصعوبات، وإنما تصنعه الإرادة التي تعرف كيف تحول الصعب إلى ممكن.
في ذكرى أكتوبر، لا نستعيد فقط مشهد العبور العظيم من الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية لقناة السويس، وإنما نستعيد روحًا مصرية قادرة على العبور كلما اشتدت المحن.
فكما عبر المصريون قناة السويس في السادس من أكتوبر، تستطيع مصر أن تعبر كل تحديات حاضرها، وأن تواصل طريقها نحو مستقبل يليق بتضحيات أبطالها.







