يقدم كتاب «رأسمالية الدولة في روسيا» للمفكر والمناضل البريطاني توني كليف قراءة ماركسية نقدية لطبيعة النظام السوفيتي، وبشكل خاص النظام الذي تبلور في عهد جوزيف ستالين.
حيث لا يتعامل الكتاب مع الاتحاد السوفيتي باعتباره نموذجا اشتراكيا كما كان شائعا في الخطاب السياسي السوفيتي، بل يطرح أطروحة مختلفة ترى أن الاقتصاد والمجتمع السوفيتيين اتخذا شكلا من أشكال رأسمالية الدولة، حيث أصبحت الدولة صاحبة السيطرة المركزية على وسائل الإنتاج والاقتصاد، بينما خضعت الطبقة العاملة للاستغلال وفرضت عليها أهداف التراكم والإنتاج.
وتكمن أهمية الكتاب في أنه لا يكتفي بوصف النظام السياسي، وإنما يحاول تفسير العلاقة بين الاقتصاد والسلطة والدولة والطبقات الاجتماعية، مستخدما أدوات التحليل الماركسي لفهم طبيعة المجتمع السوفيتي ومسار تحوله.
لماذا كتب هذا الكتاب؟
كتب توني كليف هذا العمل في سياق الجدل الكبير حول طبيعة الاتحاد السوفيتي، خصوصا في ظل صعود الستالينية بعد الحرب العالمية الثانية.
وقد ظهرت النسخة الأولى من العمل في أواخر الأربعينيات، ثم تطورت الدراسة في طبعات لاحقة قبل أن تصدر بعنوان State Capitalism in Russia عام 1974.
وتشرح مقدمة إحدى الطبعات أن العمل بدأ بوثيقة داخلية عام 1948، ثم نشر بصورة موسعة وتطور مع مرور الوقت وإضافة مواد جديدة مرتبطة بالنظام السوفيتي.
كان السؤال الرئيسي الذي يحاول الكتاب الإجابة عنه هو: هل كان الاتحاد السوفيتي دولة اشتراكية بالفعل، أم أن الدولة السوفيتية أخفت وراء شعارات الاشتراكية نظاما آخر تحكمه آليات التراكم والاستغلال والمنافسة الدولية؟ ومن هنا بنى كليف تحليله حول مفهوم رأسمالية الدولة.
يلخص هذا الكتاب عدة امور
يركز الكتاب أولا على العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في روسيا الستالينية، ويبحث في كيفية تنظيم الإنتاج والسيطرة عليه، وعلاقة الدولة بالمصانع والعمال، وطبيعة الأجور والفوارق بين الطبقات.
ويعرض الكاتب نماذج وأرقاما تاريخية لتوضيح رؤيته بأن التوسع الصناعي والتراكم الرأسمالي لم يؤديا بالضرورة إلى تحسين متناسب في مستوى معيشة العمال.
ثم ينتقل إلى العلاقة بين الدولة والحزب في روسيا الستالينية، محاولا تفسير صعود البيروقراطية وكيف أصبحت الدولة أداة مركزية لتنظيم الاقتصاد والمجتمع.
ويعرض الكتاب كذلك الفرق الذي يراه بين الدولة العمالية التي يفترض أن يكون العمال فيها أصحاب السيطرة على الإنتاج، والنظام السوفيتي الذي يرى كليف أن البيروقراطية أصبحت فيه الطبقة المسيطرة فعليا.
ويخصص الكتاب مساحة مهمة لفكرة رأسمالية الدولة، حيث يرى أن ملكية الدولة الكاملة أو شبه الكاملة لوسائل الإنتاج لا تعني بالضرورة انتهاء الرأسمالية.
فالمعيار في نظره لا يتوقف على شكل الملكية القانوني، وإنما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية والاقتصادية، وطبيعة الإنتاج، والتراكم، والاستغلال، والمنافسة بين القوى الدولية. ويذهب إلى أن النظام السوفيتي يمكن وصفه بصورة أدق بأنه رأسمالية دولة بيروقراطية.
كما يناقش الكتاب الاقتصاد الروسي في ضوء قانون القيمة ونظرية الأزمة الرأسمالية، ويتناول التوسع الإمبريالي لروسيا والصراع الطبقي، ثم يضم ملاحق تناقش تحليل تروتسكي لروسيا ونظرية الجماعية البيروقراطية.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب الكتاب طلاب العلوم السياسية والاقتصاد والتاريخ والعلاقات الدولية، والباحثين المهتمين بتاريخ الاتحاد السوفيتي والماركسية والاشتراكية والأنظمة السياسية.
كما يفيد الصحفيين والباحثين الذين يريدون فهم الخلفيات الفكرية للصراع حول طبيعة الدولة السوفيتية، وليس الاكتفاء بالرواية السياسية التقليدية.
وهو أيضا مناسب للقارئ الذي يهتم بتاريخ روسيا وتحولات القرن العشرين، لكن يحتاج إلى قدر من الاستعداد لقراءة نص فكري يعتمد بصورة واضحة على المفاهيم والتحليل الماركسي.
مميزات الكتاب
من أبرز مميزات الكتاب اعتماده على التحليل الاقتصادي والاجتماعي إلى جانب التحليل السياسي، وعدم الاكتفاء بدراسة ستالين أو الحزب الشيوعي بصورة شخصية.
كما يستخدم الكتاب بيانات وأمثلة تاريخية عن الإنتاج والأجور والاستثمار والضرائب والعمل الصناعي لدعم أطروحته النظرية.
ومن نقاط قوته كذلك أنه يضع القارئ أمام مقارنة بين أشكال مختلفة من الملكية والتنظيم الاقتصادي، ويطرح سؤالا مهما حول ما إذا كانت ملكية الدولة لوسائل الإنتاج تكفي وحدها لوصف المجتمع بأنه اشتراكي.
قراءة صحفية
من زاوية صحفية، فإن أهم ما يلفت النظر في الكتاب هو أنه يحاول قراءة ما وراء الشعارات السياسية.
فبدلا من السؤال عن الاسم الذي أطلقه النظام على نفسه، يدعو القارئ إلى النظر في كيفية إدارة الاقتصاد ومن يملك القرار ومن يتحمل أعباء الإنتاج ومن يحصل على ثماره.
وتبرز قيمة هذه الفكرة في دراسة التجربة السوفيتية تحديدا، لأن الكتاب يربط بين الاقتصاد والسياسة والأمن والتوسع الخارجي في صورة واحدة.
كما أن انهيار الأنظمة الستالينية في أوروبا الشرقية ثم انهيار الاتحاد السوفيتي أعاد فتح النقاش حول طبيعة النموذج الذي حكم تلك الدول، وهو ما جعل أطروحة كليف حاضرة بقوة في الدراسات النقدية للتجربة السوفيتية.
وفي النهاية، لا يقدم الكتاب مجرد تاريخ لروسيا الستالينية، وإنما يطرح تفسيرا فكريا لطبيعة النظام السوفيتي، ويضع مفهوم رأسمالية الدولة في مواجهة التفسيرات التي وصفته بالاشتراكية أو بالدولة العمالية المنحطة، ليصبح العمل واحدا من الكتب المهمة في الجدل الماركسي حول التجربة السوفيتية.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة اعدت لاغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على اعادة صياغة الافكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمعد، ولا تمثل اعادة نشر لمحتوى الكتاب او بديلا عنه ، وتظل جميع الحقوق الادبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، وينصح بالرجوع الى النسخة الاصلية للاطلاع على العمل كاملا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: رأسمالية الدولة في روسيا
المؤلف: توني كليف
الترجمة العربية: عمر الشافعي
المراجعة: خليل كلفت
تصميم الغلاف: هبة حلمي
الناشر: مركز الدراسات الاشتراكية
بلد النشر: مصر
مكان النشر: القاهرة
الطبعة العربية: الاولى، 1998
سنة النشر: 1998
عدد صفحات النسخة الالكترونية المتاحة: 202 صفحة
رقم الايداع بدار الكتب: 1998/10206







