«ساعة النجمة» حين يصبح الفقر سؤالا عن معنى الوجود

في رواية «ساعة النجمة» تضع كلاريس ليسبكتور القارئ أمام حياة تبدو عادية في ظاهرها لكنها تحمل في داخلها أسئلة شديدة العمق عن الفقر والوحدة والحب والهوية والوجود وتدور الحكاية حول ماكابيا الفتاة الفقيرة القادمة من الشمال الشرقي للبرازيل إلى مدينة ريو دي جانيرو بحثا عن حياة أفضل لكنها تجد نفسها في عالم لا يمنح الفقراء كثيرا من الفرص ولا يلتفت إلى أحلامهم الصغيرة.

ولا تكتفي ليسبكتور برواية قصة ماكابيا وإنما تجعل من عملية الحكي نفسها جزءا من الرواية حيث يظهر الراوي رودريغو إس إم مترددا في كيفية تقديم حياة هذه الفتاة وكأنه يعرف أن الكتابة عنها ليست أمرا سهلا فهو يريد أن يمنحها صوتا ووجودا في عالم اعتاد تجاهل أمثالها وفي الوقت نفسه يظل واعيا بحدود قدرته على فهم إنسانة لم تحصل في حياتها على المساحة الكافية لتعرف نفسها.

وتأتي قوة الرواية من هذا التداخل بين حياة البطلة وحضور الراوي ومن الطريقة التي تجعل بها الكاتبة التفاصيل اليومية البسيطة مادة للتأمل فالجوع والعمل والوحدة والعلاقات العابرة والأحلام الصغيرة تتحول إلى أسئلة عن قيمة الإنسان ومكانه في المجتمع وعن حق الشخص المهمش في أن تكون له حكاية تستحق أن تروى.

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصارا للكتاب ولا محاولة لاستبدال قراءته وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة وتناقشها في سياقها وتربطها بالواقع وتفتح بابا للتأمل أكثر مما تقدم أحكاما نهائية وهنا لا نقرأ الكلمات فقط بل نقرأ ما وراءها.

لماذا كتب هذا الكتاب

كتبت كلاريس ليسبكتور ساعة النجمة لتقترب من الإنسان الذي يعيش على هامش المجتمع ولا يجد من ينظر إليه باعتباره شخصية كاملة لها رغباتها وأحلامها ومخاوفها فالكاتبة تمنح ماكابيا مساحة لم تكن تملكها في حياتها الواقعية وتجعل القارئ يرافقها في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تكشف عمقا إنسانيا كبيرا.

ومن خلال شخصية ماكابيا تطرح الرواية سؤالا عن معنى السعادة بالنسبة إلى شخص لم يحصل على أبسط شروط الحياة الكريمة فهي لا تبحث عن الثروة أو الشهرة وإنما تتعلق بأحلام بسيطة للغاية وتبدو أحيانا غير قادرة حتى على صياغة رغباتها بوضوح وهذا ما يجعل مصيرها مؤلما ومثيرا للتأمل في الوقت نفسه.

كما تهتم الرواية بكشف الفوارق الاجتماعية التي تجعل بعض الناس أكثر ظهورا من غيرهم فهناك من يملك القدرة على الاختيار وهناك من يعيش حياته داخل حدود فرضها عليه الفقر والجهل والظروف الاجتماعية ولذلك تصبح قصة ماكابيا أكثر من قصة فتاة واحدة وتتحول إلى صورة لإنسان يمكن أن يمر بجوار الآخرين دون أن يلتفت إليه أحد.

مميزات الكتاب

تتميز ساعة النجمة بأسلوب سردي مختلف يجعل الراوي شخصية حاضرة في النص وليست مجرد صوت يحكي الأحداث فهو يتساءل ويتردد ويعلق ويعيد التفكير في الطريقة التي يقدم بها حياة ماكابيا وهذا الأسلوب يمنح الرواية طابعا تأمليا ويجعل القارئ شريكا في عملية اكتشاف الشخصية.

ومن أبرز مميزات الرواية أيضا قدرتها على الجمع بين البساطة والعمق فالأحداث قليلة نسبيا لكن كل حدث يفتح بابا للتفكير في موضوع أكبر كما أن لغة الرواية قادرة على الانتقال من الوصف الواقعي إلى التأمل الفلسفي دون أن تفقد اتصالها بحياة الشخصية اليومية.

وتتميز الرواية كذلك بقدرتها على تقديم شخصية ضعيفة اجتماعيا دون تحويلها إلى مجرد ضحية فالكاتبة تمنح ماكابيا حضورا خاصا وتجعل براءتها وجهلها بالعالم جزءا من تركيبها الإنساني وليس مجرد وسيلة لإثارة الشفقة.

لمن يناسب هذا الكتاب

يناسب الكتاب القارئ الذي يميل إلى الروايات النفسية والفلسفية التي لا تعتمد على كثرة الأحداث بقدر اعتمادها على الأسئلة التي تتركها خلفها كما يناسب من يهتم بالأدب الذي يناقش قضايا الفقر والتهميش والطبقات الاجتماعية من خلال شخصيات إنسانية معقدة.

ويمكن أن يكون الكتاب مناسبا لمن يرغب في التعرف إلى تجربة كلاريس ليسبكتور الأدبية وطريقتها الخاصة في التعامل مع اللغة والسرد والوعي الداخلي كما يناسب القراء الذين يبحثون عن رواية قصيرة نسبيا لكنها قادرة على فتح مساحة واسعة للتأمل في الإنسان والمجتمع والمصير.

يلخص هذا الكتاب عدة أمور

يلخص الكتاب أولا أن الإنسان قد يعيش حياة كاملة دون أن يحصل على الاعتراف الكافي بوجوده فهناك أشخاص كثيرون يمرون في الحياة بصمت ولا يتركون أثرا واضحا لأن المجتمع لم يمنحهم الفرصة ليظهروا.

ويلخص ثانيا أن الفقر ليس نقصا في المال فقط وإنما قد يصبح حرمانا من المعرفة والاختيار والقدرة على بناء المستقبل ولذلك تبدو مأساة ماكابيا أوسع من ظروفها المادية المباشرة.

ويلخص ثالثا أهمية أن يمتلك الإنسان من يسمعه ويرى وجوده فمجرد رواية حياة ماكابيا تمنحها حضورا لم تحصل عليه وهي على قيد الحياة ولذلك تصبح الكتابة نفسها فعلا من أفعال الاعتراف بالآخر.

كما تلخص الرواية فكرة أن الأحلام قد تكون بسيطة للغاية ومع ذلك تظل ضرورية للإنسان فالأمل لا يحتاج دائما إلى هدف كبير حتى يكون مؤثرا وإنما يكفي أحيانا أن يشعر الإنسان بأن حياته يمكن أن تتغير.

وفي النهاية تترك ساعة النجمة القارئ أمام سؤال صعب عن قيمة الحياة ومن يستحق أن تروى حكايته فالنجمة التي يشير إليها العنوان لا تبدو مجرد صورة جميلة وإنما يمكن النظر إليها باعتبارها لحظة خاطفة من الضوء في حياة شخصية عاشت معظم وقتها في الظل.

حقوق النشر

هذا التلخيص هو عمل صحفي تحليلي مستقل يستند إلى قراءة الكاتب للمؤلف محل الدراسة ويعبر عن رؤيته وفهمه الشخصي للأفكار والمضامين الواردة فيه ولا يعد هذا الإصدار تلخيصا رسميا أو إعادة إنتاج لمحتوى الكتاب الأصلي كما لا يعبر عن رأي مؤلفه أو ناشره وقد أعد بغرض التحليل والنقد والتفسير في إطار العمل الصحفي والثقافي مع الالتزام باحترام جميع حقوق الملكية الفكرية للمؤلف والناشر ويخضع هذا العمل لأحكام قانون حماية حقوق الملكية الفكرية المصري رقم 82 لسنة 2002 مع التأكيد على أن جميع الحقوق المتعلقة بالمؤلف الأصلي وكتابه محفوظة لأصحابها.

البطاقة التعريفية للكتاب

ساعة النجمة

مؤلف: كلاريس ليسبكتور

الناشر: الكتب خان للنشر والتوزيع

ردمك ISBN: 9789778030501

تاريخ الإصدار: 01 يناير 2018

الصفحات: 110

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *