لم يعد السؤال في سوق العمل هو «هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟»، بل أصبح «كيف ستتغير وظيفتي بسببه؟» فالتطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي يعيد تشكيل طبيعة الوظائف، ويحول بعض المهام الروتينية إلى عمليات آلية، في الوقت الذي يرفع فيه الطلب على مهارات جديدة تتعلق بالتكنولوجيا والتحليل والإبداع.
وتقدر منظمة العمل الدولية أن نحو 25% من الوظائف عالميًا تقع في مهن لديها درجة من التعرض للذكاء الاصطناعي التوليدي، لكن المنظمة تؤكد أن التعرض لا يعني بالضرورة فقدان الوظيفة، إذ إن النتيجة الأكثر ترجيحًا هي تحول الوظائف وإعادة توزيع المهام داخلها.
وتزداد المخاطر في الوظائف المكتبية والإدارية، مثل إدخال البيانات والسكرتارية وبعض الأعمال المحاسبية والكتابية، بينما بدأت التأثيرات تمتد إلى وظائف مهنية وتقنية مع تطور قدرات الذكاء الاصطناعي.
170 مليون وظيفة جديدة
رغم المخاوف، لا تشير التوقعات إلى انكماش شامل في سوق العمل، ويتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي خلق نحو 170 مليون وظيفة بحلول 2030، مقابل إزاحة 92 مليون وظيفة، بما يعني زيادة صافية تبلغ 78 مليون وظيفة.
لكن التحدي الحقيقي يتمثل في المهارات،إذ يتوقع المنتدى أن تتغير نحو 39% من المهارات الأساسية المطلوبة في الوظائف بحلول 2030، فيما يرى 63% من أصحاب العمل أن فجوة المهارات تمثل أكبر عقبة أمام تحول شركاتهم.
وبذلك تصبح القدرة على التعلم المستمر واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والتفكير النقدي والإبداع عوامل أكثر أهمية في تحديد فرص الموظف داخل سوق العمل.
مصر.. التكنولوجيا تخلق فرصًا جديدة
في مصر، يمكن أن يتحول هذا التغيير إلى فرصة اقتصادية، خاصة في قطاع التعهيد والخدمات الرقمية.
وبحسب بيانات هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات «إيتيدا»، بلغت صادرات مصر من خدمات التعهيد 5.2 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026، بينما وصل عدد المتخصصين العاملين في الشركات المصدرة لخدمات التعهيد إلى نحو 195 ألف شخص.
ويعكس نمو القطاع تحولًا من الاعتماد على خدمات مراكز الاتصال التقليدية إلى خدمات ذات قيمة مضافة أعلى، تشمل البرمجيات وتحليل البيانات والهندسة والخدمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وتكمن أهمية هذا التحول في أن الذكاء الاصطناعي قد يقلل الحاجة إلى بعض المهام، لكنه في الوقت نفسه يخلق طلبًا على وظائف جديدة تتطلب مهارات أعلى.
فجوة المهارات هي الخطر الأكبر
المشكلة بالنسبة لمصر لا تتمثل فقط في احتمال اختفاء بعض الوظائف، وإنما في احتمال اتساع الفجوة بين المهارات التي يمتلكها العاملون والمهارات التي يحتاجها الاقتصاد الجديد.
فالموظف الذي تعتمد قيمته على إدخال البيانات أو تنفيذ إجراءات متكررة سيكون أكثر تعرضًا للتحول من موظف يستطيع تحليل المعلومات، ومراجعة نتائج الذكاء الاصطناعي، واتخاذ القرارات والتعامل مع العملاء.
ولهذا يصبح الاستثمار في التدريب وإعادة تأهيل العاملين جزءًا أساسيًا من سياسة سوق العمل.
من الرابح؟
الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والبيانات والأمن السيبراني مرشحة للنمو، لكن المستقبل لن يكون حكرًا على المتخصصين في التكنولوجيا.
فالطلب يتزايد أيضًا على مهارات بشرية مثل التفكير التحليلي والإبداع والمرونة والقدرة على التعلم والتكيف.
وهذا يقود إلى معادلة جديدة،المنافس الحقيقي للعامل ليس الذكاء الاصطناعي وحده، وإنما العامل الذي يعرف كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي بكفاءة.
الاستثمار في الإنسان
بالنسبة لمصر، يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة لتعزيز صادرات الخدمات الرقمية وجذب استثمارات جديدة وخلق وظائف ذات قيمة أعلى، لكن الاستفادة من هذه الفرصة تتطلب تطوير منظومة التعليم والتدريب بالتوازي مع الاستثمار التكنولوجي.
فامتلاك أحدث أدوات الذكاء الاصطناعي لن يكون كافيًا إذا لم تتوافر الكفاءات القادرة على استخدامها وتحويلها إلى إنتاج وقيمة اقتصادية.
وفي النهاية، لا يبدو أن المعركة المقبلة ستكون بين الإنسان والآلة، بل بين من يمتلك المهارات اللازمة للعمل مع الآلة ومن يتخلف عن سوق العمل الجديد.
وبالنسبة لمصر، فإن الرهان الحقيقي ليس فقط على عدد الوظائف التي يمكن أن يوفرها الذكاء الاصطناعي، وإنما على نوعية الوظائف والقيمة الاقتصادية التي يمكن أن تنتجها المهارات المصرية في عصر الذكاء الاصطناعي.







