التفكير بسرعة وببطء.. كيف يخدعنا عقلنا عند اتخاذ القرارات المالية؟

ماذا يحدث عندما يتخذ المستثمر قرارا ماليا تحت تأثير الخوف أو الطمع، وهل يستطيع الإنسان أن يكون عقلانيا تماما عندما يتعلق الأمر بمدخراته وثروته ومستقبله؟ هذه الأسئلة تقع في قلب أعمال عالم النفس دانيال كانيمان، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، ولا سيما كتابه الشهير «التفكير، بسرعة وببطء» (Thinking, Fast and Slow)، الذي صدر عام 2011، حيث يقدم كانيمان في الكتاب خلاصة عقود من البحث حول التفكير والحكم واتخاذ القرار، ويشرح كيف يمكن للانحيازات العقلية أن تؤثر في قراراتنا دون أن ندرك ذلك.

ومن هذه الزاوية، يصبح الكتاب مهمًا جدا للمستثمر، لأن الأسواق المالية لا تتكون من أرقام ونماذج فقط، وإنما من ملايين البشر الذين يتخذون قراراتهم تحت تأثير توقعاتهم ومخاوفهم وثقتهم بأنفسهم.

لماذا كُتب هذا الكتاب؟

يسعى كانيمان إلى تفسير الطريقة التي يعمل بها العقل البشري عندما يحاول فهم العالم واتخاذ القرارات، والفكرة الأساسية في الكتاب هي وجود نمطين رئيسيين للتفكير، الأول سريع وتلقائي وحدسي، يعمل دون جهد واعي كبير، أما الثاني فهو أبطأ وأكثر تعمدا، ويحتاج إلى التركيز والتحليل، والمشكلة أن التفكير السريع مفيد في كثير من المواقف اليومية، لكنه قد يقودنا إلى أخطاء منهجية عندما نواجه مسائل معقدة أو احتمالات غير مؤكدة، وهي ظروف تشبه بدرجة كبيرة عالم الاستثمار.

يلخص هذا الكتاب عدة أمور

أهمها النظام الأول والنظام الثاني. النظام الأول سريع، يعتمد على الحدس والانطباعات، بينما النظام الثاني أبطأ ويعتمد على التفكير المنطقي والتحليل. وغالبا ما يقبل النظام الثاني إجابات النظام الأول دون أن يفحصها بما يكفي.

بالنسبة إلى المستثمر، يعني ذلك أن الشعور بأن سهما «رخيص جدا» أو أن السوق «سوف ينهار» قد يكون انطباعا سريعا أكثر منه نتيجة تحليل متكامل.

ومن الأفكار المهمة أيضا الانحيازات المعرفية، فالإنسان لا يتعامل مع المعلومات بطريقة محايدة دائما، وإنما يستخدم اختصارات ذهنية قد تساعده على اتخاذ القرار بسرعة، لكنها قد تقوده إلى استنتاجات خاطئة.

ومن أبرز هذه الانحيازات انحياز التثبيت، إذ قد يتأثر حكم الإنسان برقم أو معلومة ظهرت أمامه أولا، فإذا رأى المستثمر أن سهمًا كان يتداول عند 100 دولار ثم أصبح عند 60 دولارا، فقد يعتقد تلقائيا أن السهم أصبح رخيصا، مع أن سعره السابق لا يثبت أن قيمته الحقيقية كانت 100 دولار.

ويشرح كانيمان كذلك النفور من الخسارة، وهي فكرة محورية في الاقتصاد السلوكي، فالإنسان يميل إلى الشعور بألم الخسارة بصورة أقوى من شعوره بمتعة مكسب مماثل، وهذا يفسر في جانب من جوانبه، لماذا قد يتمسك المستثمر باستثمار خاسر على أمل استرداد أمواله، أو يبيع استثمارا رابحًا بسرعة خوفا من ضياع المكسب.

ومن الأفكار المهمة كذلك الثقة المفرطة، فقد يعتقد المستثمر أنه قادر على توقع حركة السوق أو اختيار الأسهم الأفضل، بينما تكون قدرته الحقيقية على التنبؤ أقل بكثير مما يتصور.

ويرتبط بذلك ما يسميه الكتاب وهم المعرفة والسيطرة، فامتلاك المزيد من المعلومات لا يعني بالضرورة امتلاك قدرة أفضل على التنبؤ، قد يقرأ المستثمر عشرات التقارير والأخبار، لكنه يظل عاجزا عن معرفة ما سيحدث في المستقبل.

ويتناول كانيمان أيضا قانون الأعداد الصغيرة والميل إلى استخلاص نتائج كبيرة من عينات محدودة، وفي الاستثمار قد يرى الشخص أداء سهم أو صندوق خلال فترة قصيرة، ثم يبني حكما واسعا على مستقبله، متجاهلا أن النتائج قصيرة الأجل قد تكون متأثرة بالصدفة.

كما يلفت الكتاب النظر إلى أهمية المعدلات الأساسية، فالإنسان يميل إلى التركيز على القصة أو التفاصيل المثيرة، لكنه قد يتجاهل البيانات العامة التي تساعد على وضع تلك القصة في سياقها الصحيح.

لمن يناسب هذا الكتاب؟

يناسب الكتاب المستثمرين، ورواد الأعمال، والمديرين، وكل شخص يتخذ قرارات في ظل عدم اليقين. وهو مفيد بصورة خاصة لمن يعتقد أن امتلاك المعلومات الكافية يجعله بالضرورة قادرًا على اتخاذ قرارات عقلانية.

كما يناسب القارئ المهتم بعلم النفس والاقتصاد السلوكي، لأن أفكار كانيمان تفسر كثيرا من السلوكيات التي تبدو غير منطقية في الأسواق وفي الحياة اليومية، وجعلت هذه الأفكار الكتاب مرجعا مؤثرا في فهم الحكم البشري واتخاذ القرار.

مميزات الكتاب

أهم ما يميز الكتاب أنه يحول نتائج أبحاث علم النفس إلى أفكار يمكن للقارئ ملاحظتها في حياته اليومية، كما أن قوته تكمن في أنه لا يفترض أن المشكلة في نقص الذكاء، بل يوضح أن الانحيازات يمكن أن تؤثر حتى في الأشخاص الأذكياء وذوي الخبرة.

قراءة صحفية

يمكن النظر إلى كتاب كانيمان باعتباره دعوة للمستثمر إلى الشك في نفسه قبل الشك في السوق.

فالخطر لا يأتي دائما من نقص المعلومات، وإنما قد يأتي من الطريقة التي يفسر بها المستثمر تلك المعلومات، خبر واحد قد يثير الخوف، وارتفاع متواصل قد يولد الثقة المفرطة، وخسارة سابقة قد تؤثر في القرارات اللاحقة، ولهذا فإن أهم درس استثماري يمكن استخلاصه من كانيمان هو أن المستثمر لا يحتاج فقط إلى استراتيجية مالية، وإنما يحتاج أيضًا إلى نظام يحميه من نفسه.

قد يكون ذلك من خلال كتابة أسباب قرار الاستثمار قبل تنفيذه، أو استخدام قواعد واضحة للبيع والشراء، أو تنويع المحفظة، أو تجنب اتخاذ قرارات كبيرة أثناء موجات الهلع أو النشوة.

والرسالة النهائية ليست أن الحدس سيئ أو أن الإنسان قادر على القضاء على تحيزاته بالكامل، بل إن الوعي بهذه التحيزات يمكن أن يساعدنا على معرفة متى نثق بحدسنا ومتى نتوقف ونفكر ببطء.

في عالم الاستثمار، حيث يمكن لقرار واحد أن يؤثر في سنوات من المدخرات، قد يكون إبطاء التفكير في اللحظة المناسبة أكثر قيمة من البحث عن معلومة جديدة.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: التفكير، بسرعة وببطء

العنوان الأصلي: Thinking, Fast and Slow

المؤلف: دانيال كانيمان (Daniel Kahneman)

دار النشر الأصلية: Farrar, Straus and Giroux

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة: الأولى

سنة النشر: 2011

عدد الصفحات: 512 صفحة

رقم الإيداع: 9780374275631

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *